ابن يعقوب المغربي

115

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

أنها هيئة متمكنة في الذات متقررة فيها خارجا تقررا استقلت معه في ذلك الموصوف بالمفهومية ، واحترز بذلك عن النسبية ، فإن النسبية لا تعقل إلا بين شيئين ، فليست مستقلة المفهومية في الموصوف على ما يأتي تحقيق ذلك في تفسير مقابل الحقيقة ، وهي - أعنى تلك الحقيقة قسمان - لأنها : قسما الحقيقة : الحسية ( إما حسية ) أي مدركة بإحدى الحواس الخمس التي هي البصر والشم والسمع والذوق واللمس ، وذلك ( كالكيفيات الجسمية ) أي : المختصة بالوجود في الجسم والكيفية عرض لا يقتضى قسمة ولا عدمها لذاته اقتضاء أوليا ، ولا يتوقف تعقله على تعقل الغير ، وقد تقدمت محترزات هذه القيود في صدر الكتاب عند تفسير الملكة ، ثم الكيفية الجسمية حيث كانت حسية تدرك بإحدى الحواس ، فهي حينئذ إما أن تكون ( مما يدرك بالبصر ) وهي معنى قائم بالحدقة يتعلق بالألوان ، والأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ، ويفسر عند الحكماء على ما اقتضاه التشريح بأنه قوة مترتبة أي : متمكنة في العصبتين المجوفتين اللتين هما متلاقيتان ، فتفترقان إلى العينين ، وذلك أن الطرف الأول من الدماغ قامت من جهته اليسرى عصبة مجوفة كالقصبة الصغيرة ، ومن جهته اليمنى عصبة كذلك ، فذهبت اليسارية إلى العين اليمنى واليمنية إلى العين اليسرى ، فتلاقت العصبتان قبل الوصول إلى العينين على التقاطع فصارتا على هيئة الصليب ، وقام معنى البصر في العصبتين وظاهر هذا التفسير أن البصر لا يختص بما اتصل منهما بالعينين ولا بما اتصل بالدماغ ولا بوسطهما ، بل هو مبثوث في الجميع ، وليس في ذلك قيام المعنى بمحلين ؛ لأن ذلك محمول على أن في كل محل مثل ما في الآخر ، ويحتمل اختصاصها بمحل مخصوص منها ، ولكن جرت العادة مطلقا بأن العصبة إذا أصابتها آفة في موضع منها ذهب البصر عن جميعها ، ثم بين ما يدرك بالبصر بقوله : ( من الألوان ) كبياض وسواد وحمرة وصفرة وغير ذلك ، فيقال مثلا عند التشبيه في اللون : خده كالورد في حمرته ، وشعره كالغراب في سواده ، ( و ) من ( الأشكال ) والشكل عبارة