ابن يعقوب المغربي
84
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
الرؤية ووصف السائلين بالكثرة والفضل والذكاء تأكيد موجب الامتثال حيث كان السؤال ممن هو بهذا الوصف مع مباشرتهم ووصولهم للمسئول ، ولم يكن بالمراسلة ، ولا من غيرهم ثم بين الحامل لهم على السؤال بقوله : سألوني ذلك ( لما شاهدوا من أن المحصلين ) أي : الذين حصلوا غير هذا الشرح أو من شأنهم التحصيل ( قد تقاصرت ) أي قصرت إذ ليس المراد أنهم قدروا لكن تقاصروا أي : استعملوا القصور ( هممهم ) أي عزائمهم ( عن استطلاع طوالع ) أي لم تبلغ عزائمهم أن يستطلعوا طوالع ( أنواره ) أي : علوم ذلك الشرح التي هي كالأنوار الحقيقية الطالعة ، فإذا كان المحصلون في هذه الحالة بالنسبة لذلك الشرح فما ظنك بغيرهم ! ولا منافاة بين الاستطلاع والطوالع ؛ لأن تلك الطوالع باعتبارهم غائبة في لطافتها تحتاج إلى استطلاع أي إلى طلب طلوعها أو إلى إطلاعها بناء على أن السين والتاء للطلب أو التعدية ( وتقاعدت عزائمهم ) هو بمعنى تقاصرت هممهم ( عن استكشاف ) أي : إظهار ( خبيئات أسراره ) أي : لطائف علومه المخبآت في لطفها فاحتاجت إلى استكشاف فهو بمعنى استطلاع طوالع أنواره ( و ) لما شاهدوا أيضا من ( أن المنتحلين ) أي : الآخذين لكلام غيرهم مظهرين أنه لهم ( قد قلبوا أحداق الأخذ والانتهاب ) شبه الآخذ لكلام الغير ظلما ، وهو الانتهاب بإنسان غاصب بجامع ملابسة التعدي فيما هو للغير ، فأضمر التشبيه في النفس استعارة بالكناية ، وذكر تقليب الأحداق تخييلا ؛ لأن تقليب الحدقة من لوازم المشبه به ، وبالحدقة يتكمل أو يتقوم وجه الشبه إذ بالنظر يحصل التعدي في الأخذ ؛ ويحتمل أن تكون إضافة الأحداق إلى الأخذ لمجرد الملابسة ، أي : قلبوا أحداقهم للأخذ فيكون الكلام كناية عن الاعتناء بالأخذ فتقليهم أحداق الأخذ عبارة عن اعتنائهم بذلك الأخذ ( و ) إن المنتحلين ( مدوا أعناق المسخ على ذلك الكتاب ) شبه أيضا أخذهم الذي هو كالمسخ ، وهو تبديل صورة بأقبح منها بإنسان مفسد يضع الأشياء في غير مواضعها بجامع التلبس بالإفساد ، وعبر عن الأخذ بالمسخ مجازا للإشارة إلى أن المعنى المنقول بعبارتهم يكون في تلك العبارة التي هي كالصورة له أقبح منه في عبارة الكتاب ، ولما شبهه كذلك أضمر التشبيه في النفس كناية ، وأضاف إليها الإعتاق تخييلا ، فالمسخ على هذا قد اجتمع فيه كونه