ابن يعقوب المغربي

662

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

هذا سهل ، فالمبالغة في التشبيه ترجع إلى الإتيان بشيء يفيد كون المشبه به غاية في كمال وجه الشبه ، الكائن فيه ، فينجر ذلك الكمال إلى المشبه الممدوح بوجه الشبه . وأما تحقيق التشبيه فيرجع إلى زيادة ما يحقق التساوي بين المشبه والمشبه به ، حتى كأنهما شيء واحد لظهور الوجه فيهما بتمامه بسبب ذلك المزيد ، فصار من ظهوره فيهما كأنه حقيقتهما وما سواه عوارض ، من غير إشعار بكون المشبه به غاية في الوجه ، لعدم قصد تعظيم الوجه في المشبه به ليجر ذلك إلى عظمته في المشبه وإليه أشار بقوله ( و ) ك ( تحقيق التشبيه ) أي : بيان أن وجه الشبه تحقق فيما بين المشبهين لا اختلال فيه بالنسبة لأحدهما دون الآخر ، فجاءت المبالغة كما تقدم . وتحقيق التشبيه المشار إليه هو كما ( في قوله ) أي : امرئ القيس ( كأن عيون الوحش ) " 1 " المصطادة لنا ( حول ) أي : قرب طرف ( خبائنا ) أي : خيامنا . فالمراد بالخباء جنس الخيام الصادق بالكثير بدليل قوله ( وأرحلنا ) وهو من عطف التفسير ( الجزع ) خبر كأن ، وهو بفتح الجيم الخرز اليماني ، وهو عقيق فيه دوائر البياض والسواد ، شبه به عيون الوحش بعد موتها وذلك أن عيون الوحش أعنى الظباء والبقر تظهر في حياتها سوداء كلها ، وهي لا تخلو في نفس الأمر من بياض ، فإذا ماتت ظهر بياضها الذي كان غطى بالسواد زمن الحياة فتشبيه عيون الوحش بالجزع في الشكل واللون ، ظاهر ولكن الجزع المثقب يخالف العيون مخالفة ما في الشكل فزاد قوله ( الذي لم يثقب ) ليحقق التشابه في الشكل بتمامه . فهذه الزيادة لتحقيق التشبيه أي : التساوي في وجه الشبه ، وليس هذا من المبالغة السابقة كما يتوهم إذ لم يقصد علو المشبه به في وجه الشبه ، ليعلو بذلك المشبه الملحق به فقد ظهر الفرق بينهما كما تقدم ، والمراد من هذا الكلام أنهم كانوا يصطادون الوحش كثيرا ، وكثر أكلهم لتلك الوحوش ، وتركهم لأعينها حول أخبيتهم ، فصارت بتلك الصفة كذا في شرح ديوان امرئ القيس ، وبه يرد على من زعم أن المراد أن

--> ( 1 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ( 217 ) ، ولسان العرب ( جزع ) ، وأساس البلاغة ( جزع ) ، وتاج العروس ( جزع ) وكتاب العين ( 1 / 216 ) .