ابن يعقوب المغربي
663
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
الوحش ألفهم لطول سفرهم ، واستقرارهم في الفيافي ، فلا تفر منهم فتظهر أعينها بتلك الصفة حول أخبيتهم . وها هنا أمران لا بد من التنبيه عليهما : أحدهما : أن زيادة قوله الذي لم يثقب ، وقوله في رأسه نار لإفادة معنى كل منهما على أنه وصف لما قبله كسائر النعوت التي تزاد معانيها ، وليس معنى كل منهما مستفادا مما قبله . فإن كان الإتيان بالنعت عند الحاجة إليه مساواة ، فهذان منه وإلا لزم كون النعت إطنابا إن كان لفائدة ، أو تطويلا إن لم يكن بل ويلزم كون سائر الفضلات كذلك ، والآخر أنه على تقدير كونهما ليسا من المساواة ، فمفادهما ينبغي أن يبين وجه كونه من المعاني لا البديع فإن تحقيق التشبيه مثلا إنما يتبادر منه زيادة الحسن في معنى الكلام وظرافته ، فهو بالبديع أجدر . ويقال مثله في المبالغة في التشبيه . والجواب عن الأول : أن النعت وشبهه من سائر الفضلات ، إن أتى للمعنى الذي وضع له فقط ، ويكون مدرجا للأوساط من الناس ، كان مساواة ، وإن أتى به لمعنى دقيق ، يناسب المقام لا يدركه إلا الخواص ، ولا يستشعره إلا أهل الرعاية لمقتضيات الأحوال كالمبالغة في التشبيه المناسبة في قوله : في رأسه نار كان إطنابا ولا نسلم أن ما أتى به للإطناب ، يجب أن يكون مستفادا مما قبله . بل إذا أتى بالشيء لمعناه وفيه دقة في المقام مناسبة ، لا يأتي به لأجلها الأوساط من الناس وإنما يتفطن له البلغاء وأهل الفطنة ، وقصد الإتيان به لذلك كان إطنابا ولو أوجبنا في الإطناب أن يكون معناه مدلولا لما قبله ، خرج كثير مما أوردوه في هذا الباب عن معنى الإطناب وبهذا يجاب عن كل ما كان من هذا النمط مما يذكره المصنف بعد . والجواب عن الثاني : أن مناسبة المبالغة للمقام ظاهرة لأنها زيادة في مدح المرئى ، وذلك مناسبة لرثائه وزيادة التوجع عليه وأما تحقيق التشبيه ، فحسن الكلام به وظرافته ، يناسب مقام المفاخرة والإرباء على الأتراب في الشعر والنثر ، ويناسب مقام إمالة النفوس لمدح الشاعر أو الثائر على شعره ونثره فمن هذا الوجه وما يشبهه يكون من المعاني ، وبه يعلم أن البديعيات إذا قصد بها مناسبة الأحوال التي أوردت لأجلها ، عادت معاني والمعاني إذا ذهل عن تلك المناسبات فيها ، وأتى بها لأجل ظرافتها فقط ،