ابن يعقوب المغربي
545
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
من قسمي الجملة التأكيدية فقال : ( ونحو ) قوله تعالى ( هدى ) بناء على أنه خبر مبتدأ مضمر ، وأن التقدير " هو " أي : الكتاب هدى ( للمتقين ) وأما إذا بنينا على أنه خبر عن " ذلك الكتاب " بعد خبر " هو لا ريب فيه " أو أنه مبتدأ ، أو المجرور قبله خبر ، أو أنه حال والعامل اسم الإشارة ، فلا يكون مما نحن بصدده ، وتعلق الهداية بالموصوفين بالتقوى إما على معنى الزيادة ، أي : هو نفس زيادة الهدى للمتقين على هداهم ، والهدى هو الدلالة على سبيل النجاة ، فيكون المعنى أنه يدلهم على ما لم يصلوا إليه من معاني التقوى ، أو على معنى أنه هدى للذين من شأنهم التقوى ، وهم الذين يستمعون الحق ويقبلونه ، ولو كانوا في الحالة الراهنة غير موصوفين بالتقوى ، فيراد بالمتقين من هم ضالون ولكن يصيرون لقربهم من القبول متقين ، لسماع الكتاب ، بخلاف المطبوع على قلوبهم ، وإطلاق الوصف على مقاربه موجود ، في كلام العرب ، كقوله - صلّى اللّه عليه وسلم - " من قتل قتيلا فله سلبه " " 1 " فإن تسليط القتل على القتيل إنما صح ، باعتبار أن المعنى الذي يصير قتيلا بعد قتله ، وإلا ففي حال محاولة قتله ليس بقتيل وإنما يصير قتيلا بعد الفراغ من تسلط القتل عليه ، ومنه " الحج يمرض المريض " أي : يوجب المرض لقابله ( فإن معناه ) أي : وإنما قلنا : إن جملة " هو هدى " كالتأكيد اللفظي ل " ذلك الكتاب " " 2 " الكتاب لاتحادهما معنى ؛ لأن معناه أي : معنى " هو هدى " ( أنه في الهداية بالغ ) أي : أن الكتاب بلغ في مدارج الهداية ( درجة ) من وصفها أنها ( لا يدرك كنهها ) أي : لا يبلغ حقيقة تلك الدرجة بتمامها ، بمعنى أنه مشتمل على البينات التي لوضوحها ، ونصوع دلالتها بحيث يهتدى بها المنصف بأدنى لمحة ، وتضمحل معها الشبه ، فلا يتوهم لها صحة ، كما قيل لبعضهم : فيم لذتك ؟ فقال : في حجة تتبختر اتضاحا ، وشبهة تتضاءل افتضاحا فلما بلغ إلى هذه الحالة في الاهتداء به ، ودل على ذلك التنكير المفيد للتفخيم والتعظيم ، أي : له هدى واضح على الحق ودلالة عظمى على هدم الباطل من أصله ، صار شديد الملابسة للهدى ، كثير الاتصاف به ( حتى كأنه هداية محضة ) ولذلك أخبر
--> ( 1 ) جزء من حديث أخرجه البخاري ( 3142 ) ، وفي مواضع أخر من صحيحه ، ومسلم ( 1751 ) . ( 2 ) البقرة : 2 .