ابن يعقوب المغربي
520
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
يكون ( ل ) إفادة ( التفاؤل ) كأن يقصد طلب الشيء ، وصيغة الأمر هي الدالة عليه ، فيعدل عنها إلى صيغة الماضي الدالة على تحقق الوقوع ، تفاؤلا لتحققه ، كما يقال : وفقك اللّه إلى التقوى ، ولما كان من أسباب التحقق الطلب استعملت صيغة ذلك المسبب في ذلك السبب ، لعلاقة اللزوم في الجملة ( أو ) أي : وإما أن يكون ( لإظهار الحرص في وقوعه ) وإظهار الحرص مما يستدعى الامتثال لما تضمنه من الحث على الوقوع ( كما مر ) في مبحث الشرط ، وهو أن الطالب إذا عظمت رغبته في شيء يكثر تصوره إياه ؛ لأن محبوب الوقوع لا يزول عن الخاطر غالبا ، فربما يخيل إليه حاصلا فيعبر عنه بصيغة الحصول بناء على ذلك التخيل ، فالتعبير بصيغة الحصول يفهم منها تخيل الحصول الملزوم ، لكثرة التصور الملزوم لكثرة الرغبة المقتضية للمبالغة في الحث على الامتثال ، وإذا اقتضى المقام الحث على التمكن من المطلوب على وجه المبالغة توصل إليه بهذا التعبير ، وذلك كقولك : رزقني اللّه لقاءك ، ثم إن إظهار الحرص مع التفاؤل لا تنافى بينهما ، فالبليغ إحضارهما في التعبير بصيغة المضي عن الطلب ، وإليه أشار بقوله : ( والدعاء بصيغة الماضي من البليغ ) كأن يقال رحمك اللّه ( يحتملهما ) أي : يحتمل التفاؤل وإظهار الحرص ، بمعنى أنه يحتمل أن يريد التفاؤل بوقوع الرحمة للمخاطب قصدا لإدخال السرور عليه ، أو يريد إظهار الحرص في الوقوع ، حيث عبر بالمضي لكثرة التصور الناشئ عن كثرة الرغبة قضاء لحق المخاطب ، حيث كان ما ينفعه في هذه المنزلة بالنسبة للمتكلم أو يريدهما معا ، وإنما قال من البليغ ؛ لأن غير البليغ إنما يقول ما يسمع من غير أن يراعى هذه الاعتبارات في موارد المقامات ، والمراد بالبليغ من يراعى ما ذكر ؛ لأن له قوة عليه ، ولو لم تكن له قوة في سائر الأبواب بناء على تجزئ البلاغة كالاجتهاد . ( أو ) أي : وإما أن يكون ( لحمل المخاطب على ) تحصيل ( المطلوب ) لا بسبب إظهار الرغبة بل ( بأن يكون ) أي : بسبب كون المخاطب ( ممن لا يحب أن يكذب ) أي : أن ينسب ( الطالب ) إلى الكذب ، فيكذب مبنى للمجهول بتشديد الذال ، كقولك لصاحبك : يا فلان أنت تأتينا غدا ، مكان ائتني غدا ، ولا بد ؛ لأنه لما كان ممن لا يحب أن ينسب إلى الكذب وقد عبرت في الإتيان بصيغة الخبر ، فإذا لم يأت غدا كان