ابن يعقوب المغربي
508
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
ولذلك يتشكى مظهرا لبعد النجاة ، وأما لو كانت مرجوة الانكشاف لم تستحق التشكى من ليلها الملازمة له ، وقوله : وما الإصباح منك بأمثل . أي : أفضل ، كلام تقديرى على هذا ، فكأنه يقول : هذا الليل لا طماعية في زواله ؛ لكثرة أحزانه ولزومها وشدتها بظلمته فلا تنكشف بانشكافه ، وعلى تقدير الانكشاف فالإصباح لا يكون أمثل منه ، للزوم الأحزان على كل حال . استعمال الأمر للدعاء ( و ) ك ( الدعاء ) وهو الطلب على وجه التضرع والخضوع ، وذلك ( نحو ) قولك : رَبِّ اغْفِرْ لِي " 1 " ويكون من الأدنى إلى الأعلى ، فلو قال العبد لسيده - على وجه الغلظة : - أعتقنى ، كان أمرا ، ولذلك يعد الأمر من العبد سوء أدب ؛ لأن الأمر لا يكون إلا مع استعلاء كما تقدم - ولكن أورد على اشتراط الاستعلاء في مسمى الأمر قوله تعالى - حكاية عن فرعون - فَما ذا تَأْمُرُونَ " 2 " فقد استعمل الأمر في طلب ليس فيه استعلاء ؛ لأن فرعون لا يرى استعلاء في الطلب المتعلق به من غيره لادعائه الألوهية . استعمال الأمر للالتماس ( و ) ك ( الالتماس ) وذلك ( كقولك لمن يساويك رتبة ) أي : في الرتبة ( افعل ) كذا مثلا حال كون ذلك القول كائنا ( بدون الاستعلاء ) المعتبر في الأمر ، وبدون التضرع المعتبر في الدعاء ، ولا يرد أن يقال : المساواة تنافى الاستعلاء ، لأنا نقول : المنافى للمساواة هو العلو لا الاستعلاء ، فإن الاستعلاء - كما تقدم : - هو عد الآمر نفسه عاليا بكون الطلب الصادر منه على وجه الغلظة ، كما هو شأن العلى ، وهذا المعنى - أعنى جعل الآمر نفسه عاليا في أمره - يصح من المساوى ، بل يصح من الأدنى ، فإن دعاوى النفس أكثر من أن تحصى ، وظاهر ما تقرر أن مناط الأمرية في الطلب هو الاستعلاء ،
--> ( 1 ) الأعراف : 151 . ( 2 ) الشعراء : 35 .