ابن يعقوب المغربي

509

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

ولو من الأدنى ، ومناط الدعاء فيه التضرع والخضوع ولو من الأعلى كالسيد مع عبده ، ولا يكاد يتصور على حقيقته ، ومناط الالتماس فيه التساوي مع نفى التضرع والاستعلاء ، لكن ذكر في الطول أن الالتماس يكون معه تضرع وتخضع لا يبلغ إلى حده في الدعاء ، وعلى ما تقرر إذا صدر الطلب من الأعلى إلى الأدنى كالسيد مع عبده من غير استعلاء ولا تخضع لم يسم بواحد منها وهو بعيد . ( ثم الأمر ) أي : صيغته إذا استعملت في شيء فاختلف في المطلوب بها بعد الاختلاف في كونها للوجوب فيه ، أو لغيره - كما تقدم - وبعد كون الراجح فيها أنها تسمى أمرا حقيقة ، سواء كانت فيما استعملت فيه للوجوب ، أو لغيره ، فقيل : حقه مطلقا كونه مطلوبا ، فيمتثل بالفور أو بالتراخي ، ولا يتعين أحدهما في مدلولها إلا بقرينة ( وقال السكاكى حقه الفور ) بمعنى أنه إذا قيل : افعل فمعناه : افعل فورا ، ولا يدل على التراخي إلا بقرينة ، ومتى انتفت انصرف للفور ؛ ( لأنه ) أي : إنما قلنا حقه الفور ؛ لأن كون المطلوب بها مطلوبا على الفور هو ( الظاهر من الطلب ) أي : لأن الذي يبدو للعقل بالنظر لاستعمال الصيغة هو الفور ، فإن مقتضى الطبع في كون الشيء مطلوبا أنه لا يطلب حتى يحتاج لوقوعه في الحين ، كما إذا قلت : اسقني ، فالمراد طلب السقي حينئذ ، وهذا شأن الطلب في الجملة عند الإنصاف ، وكل ما يعرض من غير هذا فليس من مقتضى الطلب ، ألا ترى إلى الاستفهام والنداء ، فإن المستفهم عنه والمنادى إنما يراد الجواب بالأول فورا ، وإقبال الثاني كذلك ، ولا يخفى أن بيان كون الفور هو الظاهر بما ذكر مشتمل على قياس الأمر على الاستفهام والنداء ، وهو قياس في اللغة ، فإن لم يقس عليهما فلا معنى لدلالتهما على أن الأمر يعتبر فيه ما يعتبر فيهما ، وأن كون الطلب للحاجة لا يخلو من إثبات اللغة بالعقل مع أن اختصاص البيان بما ذكر يقال فيه : إنما ذلك لقرينة العطش ، وأنه لو كان مدلوله الفور لغة لاحتيج إلى زيادة الفور في حد الأمر - تأمل . ( ولتبادر الفهم ) أي : وقلنا - أيضا - حقه الفور لتبادر الفهم ( عند الأمر بشيء ) أي : بفعل من الأفعال ( بعد الأمر بخلافه ) أي : بضده كما يظهر من التمثيل ( إلى تغيير ) متعلق بتبادر ، أي : يتبادر الفهم فيما ذكر إلى تغيير ( الأمر ) أي : تغيير المتكلم بالصيغة ،