ابن يعقوب المغربي
496
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
قبول الهداية باتباع الشرع الذي قامت عليه البينة ، والحال أنكم لتلك الحجة والهداية كارهون ، والتقييد بالكراهة للتأكيد ؛ لأن إلزام قبول الاهتداء أي : العمل بالشرع لا يكون إلا حال الكراهية ، بمعنى أنا معشر الرسل لا يقع منا ذلك الإلزام ، وإنما علينا الإبلاغ لا الإكراه ، إذ لا إكراه في الدين ، وهذا يناسب عدم الأمر بالجهاد ، وإنما قلنا كذلك ؛ لأن الإلزام إن لم يكن معناه الإلزام بالجهاد كان معناه التكليف بالقبول ، ولا يصح نفيه لوقوعه ، وهو ظاهر إن كان معناه لا نخلق لكم القبول حال الكراهة ، والرسل لا يكون منهم إلزام بهذا المعنى كرهوا ، أو أحبوا ، وعلى هذا يكون الخطاب لإسقاط مثارات العداوة الموجبة لنفرة الكافرين أو لإظهار عدم حاجة الناصح إلى قتال المنصوح ؛ لأن المنفعة للمنصوح ، فإنك إذا نصحت رجلا ، ثم أحسست منه بالإباية ، فقلت له : لست أقهرك على قبول نصحى ، ولا أقاتلك على تركه ، وإنما على إبلاغ النصح ، كان ذلك أدعى للقبول ؛ لما فيه من ترك الانتصار على عدم السماع والقبول ، ومن إظهار أن لا حاجة له فافهم لئلا يقال يفهم منه الترخص في التكليف ، وترك المبالغة في الغرض ، وقد تبين بما تقرر أن التوبيخ يشارك التكذيب في النفي ، ويختلفان في أن النفي في التوبيخ متوجه لغير مدخول الهمزة ، وهو الانبغاء ، ومدخولها واقع ، أو كالواقع ، وفي التكذيب يتوجه لنفس مدخولها ، فمدخولها غير واقع فافهم . ( و ) ك ( التهكم ) أي : يكون حرف الاستفهام لغيره كالتهكم وهو الاستهزاء والسخرية ، فهو إما معطوف على الاستبطاء بناء على أن المعطوفات إذا تعددت إنما تعطف على ما عطف عليه أولها ، وأما على الإنكار بناء على أن كل واحد منها يعطف على ما يليه ، وذلك ( نحو ) قوله تعالى حكاية عن الكافرين في شأن شعيب - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام - أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا " 1 " فليس المراد به السؤال عن كون الصلاة آمرة بما ذكر ، وهو ظاهر ، بل قصدهم - لعنة اللّه عليهم - الاستخفاف بشأن شعيب في صلاته ، فكأنهم يقولون : لا قربة لك توجب اختصاصك بأمرنا ونهينا إلا هذه الصلاة التي تلازمها ، وليست هي ولا أنت بشيء ،
--> ( 1 ) هود : 87 .