ابن يعقوب المغربي

493

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

يتوهم أنه ليس بكاف ، أو على من نزل منزلته ، فيتقرر بإقرار المخاطبين بأن اللّه كاف لاستلزامه إنكار النفي ، أي : نفيه بحيث يظهر بذلك الإقرار أنه لا سبيل إلى الإقرار بغير الإثبات ؛ لظهوره لكل أحد ولو لمعاند ، فعند الإلجاء إلى الإقرار لا يكون إلا بذلك الإثبات ، فاستفيد من هذا الكلام أن التقرير يستلزم إنكار غير المحمول على الإقرار به ، وأنه لا يجب أن يكون الإقرار فيه بالحكم الموالى للهمزة ، بل بما يعلمه المخاطب ، فيكون بالإثبات ، ولو وليها النفي كما في الآية ، ويكون بالنفي ، ولو وليها الإثبات كما في قوله تعالى : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ " 1 " فإن الهمزة فيه للتقرير بما يعلمه نبي اللّه عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسّلام - والذي يعلمه هو أنه ما قال لهم اتخذوني ، لا أنه قال لهم ذلك ، فإذا أقر عيسى بما يعلم وهو أنه ما قال ذلك ، انقطعت أوهام الذين ينسبون إليه ادعاءه الألوهية وكذبهم إقرار عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسّلام - فقامت الحجة عليهم ، وهذه الآية مما خرج عما تقدم من أنه يلي المقرر به الهمزة ؛ لأن المقرر به فيها نفس النسبة ، إذ ليس المراد إظهار أن غير عيسى قال هذا القول دون عيسى ، بل المتبادر بيان أنه لم يقله تكذيبا للمدعين ، لا أن غيره قاله دونه هو ، ثم قول المصنف والإنكار كذلك يتضمن أنه إذا أريد إنكار الفعل جعل مواليا للهمزة ، فيقال لإنكار صوم الدهر - مثلا : أصمت الدهر ، ولما كان لإنكار الفعل صورة أخرى لا تلى فيها الهمزة الفعل ، أشار إليها بقوله ( ولإنكار ) أصل ( الفعل صورة أخرى وهي ) أن يلي الهمزة معمول الفعل المنكر ، ثم يعطف على ذلك المعمول بأم ، أو بغيرها ( نحو ) قولك ( أزيدا ضربت أم عمرا ) وإنما تكون صورة هذا الكلام لإنكار أصل الفعل إذا قلته ( لمن يردد الضرب بينهما ) أي : بين زيد وعمرو ، وترديده الضرب بأن لا يعتقد تعلقه بغيرهما ، وذلك لأن الفعل إذا كان منحصرا في تعلقه بهما في نفس الأمر تقول في إنكار التصدق : أعلى أهل بلدك تصدقت أم على غيرهم ؛ لأن التصدق منحصر تعلقه في أهل البلد ، وغيرهم ، أو في زعم المخاطب كما في المثال لزم من إنكار تعلقه بما انحصر فيه إنكار أصله ؛ لأن الفعل لا بد

--> ( 1 ) المائدة : 116 .