ابن يعقوب المغربي
489
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
ومثل هذا يتقرر فيما مثل به هنا أيضا من قوله : مَتى نَصْرُ اللَّهِ " 1 " ( و ) كالتعجب ( نحو ) قوله تعالى حكاية عن سليمان - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام - ( ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) " 2 " فإن الغرض من هذا التركيب التعجب ؛ لأن الهدهد كان لا يغيب عن سليمان - صلّى اللّه على نبينا وعليه وسلم - إلا بإذنه ، فلما لم يبصره تعجب من حال نفسه ، وعدم رؤيته ، والمتعجب منه في الحقيقة غيبته من غير إذن ، وإنما لم يحمل على ظاهره من السؤال عن حال نفسه عند عدم الرؤية ؛ لأن الإنسان أعرف بحال نفسه غالبا ، فلا يستفهم عنها - كذا يقال : ولكن هذا في الأحوال التي لا تخفى عن صاحبها ، كقيامه ، وقعوده ، وجوعه ، وعطشه ، فلا يقال : ما حالي ؟ أي : أنا قائم ، أو قاعد ، أو أنا جائع أو لا وأما إن كان من الأحوال المنفصلة ، أو ما في حكمها فيجوز أن يستفهم الإنسان عنها ، كأن يقال : ما بالى أوذى دون سائر المسلمين ، أي : ما السبب الذي صار متعلقا بي وحالا من أحوالي فأوجب إذايتى ، اللهم إلا أن يقال : إن الحال المنفصلة ليست في الحقيقة حال الإنسان ، ولما أمكن حمل السؤال في الآية على الحال المنفصلة التي يمكن فيها الاستفهام ، أجريت على الاستفهام الحقيقي عند بعض الناس ، كالزمخشرى حيث قال : نظر سليمان - عليه السّلام - إلى مكان الهدهد ، فلم يبصره فقال مالي لا أراه على معنى أنه لا يراه لساتر تعلق به فمنعه من الرؤية مع وجوده أولا لساتر مع الحضور ، بل لغيبته يعنى فهو يسأل الحاضرين حقيقة عن السبب الذي تعلق به ، فأوجب منع الرؤية ، فصار كحال من أحواله من ساتر مع حضوره ، أو غيبته بلا إذن ، ويدل على أنه سأل حقيقة عما خفى عليه بناؤه ، هذا الكلام على التردد ، ثم لاح له أنه غائب ، يعنى لوحانا لا يوجب الجزم بالغيبة ، ولذلك قال : فأضرب عن ذلك السؤال الذي كان على وجه الاحتمال ، وتساوى الأمرين ، وأخذ يقول أهو غائب ، كأنه يسأل عن صحة ما لاح له ، فهذا الكلام من الزمخشري يدل على أنه حمل الكلام على الاستفهام حقيقة بالوجه السابق - كما بينا ، ووجه التجوز بناء على أن الاستفهام
--> ( 1 ) البقرة : 214 . ( 2 ) النمل : 20 .