ابن يعقوب المغربي
404
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
الشرف المقتضى للأهمية في الجملة ، ولأن الأهمية الذاتية إنما تفيد التقديم ، وتكون ذاتية لذلك إن لم يعارضها مناسبة المقام الذي هو مقتضى البلاغة التي هي أعظم ما وقع به إعجاز القرآن . وأورد على هذا أن قول القائل القراءة أهم من ذكر اسم الرب تعالى في غاية البشاعة ، وأجيب بأن المراد : أن الأمر بالقراءة أهم من الأمر بخصوص القراءة لا من اسم الرب ، وفيه نظر ؛ لأن مقتضى الإيراد الأول أن تقديم اسم الرب للاهتمام أنسب ، فلا يرد بأن يقال تقديم الأمر بالقراءة أنسب من الأمر بالاختصاص ؛ لأن الكلام في الاهتمام فلا معنى لدفعه بأن الأمر بالقراءة أهم من الأمر بالخصوص ، كما لا يخفى ، فالإيراد باق اللهم إلا أن يجاب بأن المراد : قراءة اسم الرب فلا بشاعة في أهمية قراءة اسم الرب على نفس الاسم ؛ لأن الأهمية بوصف الشيء هي أهمية في الحقيقة بذلك الشيء إلا أنها من جهة الوصف ، أو يقال المعنى : أن مطلق القراءة أهم من القراءة المخصوصة بتقديم الاسم لاقتضاء الخاصة أن مطلقها معلوم ، وإنما المجهول تعلقها بمخصوص والمقام ينافي ذلك ، لكونها أول ما نزل . وأشار بقوله ( و ) أجيب أيضا ( بأنه ) وهذا الجواب للسكاكى أي : باسم ربك ( متعلق باقرأ الثاني ) على أنه مفعول بزيادة الباء كما يقال : خذ بالخطام وخذ الخطام لقصد تأكيد الملابسة ؛ لإفادة الدوام والتكرار وعلى هذا يكون اسم ربك هو المقروء أي : اذكر اسم ربك وهو المناسب لما ورد وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ( ما أنا بقارئ ) " 1 " إذ هو اعتذار متضمن لطلب ما يقرأ أو على أن الباء للملابسة ، أو التبرك فيكون اسم ربك مقروءا به أي : يستعان به على القراءة ، أو متبركا به وعلى هذا يكون اقرأ الثاني إما لازما باعتبار المقروء أي : أوجد القراءة متبركا باسم ربك ، ومستعينا به ، وتعليم المقروء حينئذ بذكر السور بعد ، وإما متعديا أي : اقرأ القرآن ، وتعديه بجعل الباء زائدة للدوام ، أو لحذف المفعول وهو القرآن هو المناسب لقوله ( ومعنى ) اقرأ ( الأول أوجد القراءة ) لأن هذا المعنى هو مفاد اللزوم إذ ليس فيه إلا مجرد الأمر بوجود القراءة المدلولة لأصل الفعل من غير مراعاة مفعول ما ، وذلك كما تقدم في قولهم : فلان
--> ( 1 ) أخرجاه في الصحيحين ، وهو حديث بدء الوحي .