ابن يعقوب المغربي
392
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
في الآية موجود حقيقة ( وإما لمجرد الاختصار ) أي : يكون الحذف إما لما تقدم ، وإما لمجرد الاختصار من غير مراعاة فائدة أخرى من عموم في المفعول ، أو خصوص فيه أو غير ذلك ، ووجد بعد هذا في بعض النسخ ( عند قيام قرينة ) وهو معلوم مما سبق ، وهو أن النكتة في الكلام لا تكون إلا بدليل دل على تلك النكتة بخصوصها ، وإلا كان إفادة الكلام إياها ادعائية فهو تذكرة لما تقدم ، فعلى هذا يكون ما يقال من أن المراد أن الحذف يكون عند قيام قرينة دالة على أن الحذف لمجرد الاختصار ليس بسديد ؛ لأن هذا القول يشعر بأن النكتة الموجودة في الكلام لم تعلم من تتبع ما سبق أنه لا بد فيها من دليل يدل على خصوصها ، وهو فاسد كما قررنا ثم لو سلم أن المفهوم مما تقدم هو مجرد وجود النكتة في الكلام من غير دليل على خصوصها ، فلا تختص الحاجة إلى التنبيه على ذلك بالحذف ، بل يجب حينئذ ذكر ذلك في جميعها ، والحذف للاختصار ( نحو ) قول القائل ( أصغيت إليه أي ) أملت إليه ( أذني ) ؛ لأن الإصغاء مخصوص بالأذن ( وعليه ) أي : وعلى الحذف لمجرد الاختصار ورد قوله تعالى حكاية عن موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ " 1 " أرني ( ذاتك ) فإن قلت : أرني من أراه كذا أي : جعله يراه فكأنه قال : اجعلني أرى ذاتك أنظر إليك ، وهذا بظاهره يحقق التداخل في الكلام ، ويمنع ترتب أنظر على أرني : قلت : بل عبر بالإراءة عن مجرد الكشف للحجاب عن الرائي ؛ لأن الرؤية متسببة عنه فيترتب عليه قوله : أنظر إليك ، فكأنه قال : رب اكشف الحجاب عن ذاتك بكشفه عنى ؛ لأنى هو المحجوب حقيقة أنظر إليك ، ولما عبر بالإراءة عن الكشف تعدت بنفسها ؛ لأن الفعل يجوز أن يتعدى بنفسه ولو كان عبارة عن المتعدى بالآلة فافهم . وأورد ههنا بحث ، وهو أن الحذف لا يقتضى بمجرده تعميما ولا تخصيصا ؛ لأن المحذوف يجوز أن يكون خاصا وعاما ، فلا يقتضى الحذف عمومه ، ولا خصوصه ، وإلا لم يوجد مع الآخر فإذا صح وجود الحذف مع العموم والخصوص ولا يتعين به أحدهما فلا بد من قرينة أخرى تدل على تعين المحذوف ، فإذا عين كان عاما أو خاصا ؛ فعمومه
--> ( 1 ) الأعراف : 143 .