ابن يعقوب المغربي

387

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

وأما لو كان المعنى : لو شئت أن أبكى تفكرا بكيته لم يفد أنه لم يبق منه إلا التفكر ؛ لصحة بكاء التفكر الذي هو الحزن والكمد عند كثرته مع بقاء مادة أخرى ، وهذا المعنى لا يناسب قوله فلم يبق منى الشوق غير تفكرى فتقرر بهذا اندفاع ما ذكره صدر الأفاضل ، واندفاع ما ذكر غيره في أن المراد لم تبق في مادة دمع فصرت أقدر على بكاء التفكر ؛ لأن كلام هذا القائل ولو كان فيه بيان أنه لم تبق فيه مادة الدمع زيادة على ما ذكر صدر الأفاضل يرجع إلى كلامه ؛ لأن صدر الأفاضل يمكن حمل كلامه - أيضا - على أن المراد لم تبق فيه مادة الدمع ، ولو لم يصرح بذلك فصار يقدر على بكاء التفكر ؛ بل ذلك مراده قطعا لتقدمه في كلام الشاعر . ووجه الرد عليهما واحد ، وهو أن المبالغة المناسبة لقوله فلم يبق منى الشوق غير تفكرى لا يفيدها بيانه أنه قادر على بكاء التفكر ؛ لصحة هذه القدرة مع بقاء المادة التي نفى هذا القائل وجودها ، وإنما يناسب نفى وجودها كونه إذا طلب بكاء آخر لم يجد سوى التفكر ؛ لكن على هذا كان ينبغي أن يراد بالبكاء مطلق البكاء الصادق ببكاء الدمع والدم وغير ذلك ، وأنه لو طلب أي بكاء لم يجد إلا بكاء التفكر ، لا أن يراد بكاء الدمع بالخصوص الذي هو الحقيقي ، فليتأمل . وما ذكرنا من أن الكلام من باب ما ذكر فيه مفعول المشيئة ؛ لعدم وجود دليل الحذف للتخالف بين الجواب ومفعول الشرط هو الذي يجب أن يحمل عليه الكلام لا ما قيل من أن الكلام في مفعول أبكى ، والمراد أن هذا الكلام حذف فيه المفعول لغرض آخر لا للبيان بعد الإبهام ؛ لأنه لو أراد المصنف ذلك لكان يجب أن يقول حينئذ ؛ لأن المحذوف فعل أبكى لا فعل المشيئة حتى يكون من البيان بعد الإبهام ، وأيضا الكلام في مفعول المشيئة وتفصيله لا في مفعول آخر وأيضا المراد الرد على من زعم أنه ذكر للغرابة ، ولذلك قال ؛ لأن المراد بالأول البكاء الحقيقي ، وليس المراد الرد