ابن يعقوب المغربي
386
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
به النفس ، وقد يجاب عن هذا بأنه مذكور على التنازع ، فإن أعملنا فيه فعل الشرط فظاهر ، وإن أعملنا الثاني وقدرنا للأول ضمير المتنازع فيه كفى ؛ لأن المقدر كالمذكور مع أن النفس تأنست بذكر العامل فيه ، فعلى هذا يتجه ما قيل ، وقائله صدر الأفاضل في كتابه المسمى " بضرام السقط " أن هذا الكلام مما ذكر فيه المفعول ؛ لغرابة تعلق المشيئة به فلذلك قال : ( فلو شئت أن أبكى بكيت تفكرا ) ولم يقل فلو شئت بكيت تفكرا ؛ لأن تعلق فعل المشيئة ببكاء التفكر غريب ، وحينئذ يتوجه الوجه الثاني وإليه أشار بقوله : وإنما لم يكن من هذا القبيل أي : مما تعلق به فعل المشيئة بغريب ( لأن المراد بالبكاء الأول ) وهو متعلق المشيئة ( البكاء الحقيقي ) وهو بكاء الدمع لا البكاء التفكرى ، وإنما قلنا كذلك ؛ لأن الشاعر أراد أن يبين أنه أفناه من طول الاشتياق النحول فلم يبق فيه غير خواطر تجول حتى لو شاء البكاء فمرى جفونه بمعنى : عصر عينه طلبا لسيلان الدمع ، لم يجد ذلك الدمع ، وإنما يخرج من عينه بدل ذلك الدمع المطلوب التفكر ، فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه بكاء مطلقا مبهم لفظا ؛ حيث لم يتعين بالإضافة ، ولذلك تعين بأن ينصرف عند الإطلاق لبكاء الدمع ، ولم يرد البكاء المعدى للتفكر قطعا ، والبكاء الثاني هو البكاء المعدى للتفكر . ولما كان البكاء الأول غير الثاني لم يصلح الثاني تفسيرا له ؛ لأنا ولو قلنا إنه يحذف إذا لم يكن غريبا نشترط فيه مع ذلك أن يكون الجواب مبينا له بأن يكون معناه ، وإلا لم يصلح للحذف ؛ لأن المبين في هذا الباب كما تقدم وهو الدليل على الحذف ، وإذا لم يصح أن يسند لكونه ليس نفسه لم يصح الحذف أصلا ؛ لعدم الدليل كما في قولك : ولو شئت أن أعطى شاة أعطيت درهمين ، ولو حذف لم يفهم ، إلا أن المراد : لو شئت أن أعطى در همين أعطيتهما . ويحقق أن المراد البكاء الحقيقي ، أن الكلام في تقدير إرادته أنسب بمقصود الشاعر ، وهو المبالغة في فنائه حتى لم تبق منه مادة سوى التفكر ؛ لأنه يكون المعنى على هذا التقدير لو طلبت من نفسي بكاء لم أجده ؛ بل أجد التفكر بدله .