ابن يعقوب المغربي
359
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
قيل - مثلا - الأمير زيد ، فكأنه قيل جميع أفراد الأمير محصورة في زيد ، فقد ظهر الحصر بهذا الاعتبار ، وأما إذا أريد به الحقيقة فكأنه يقال حقيقة الجنس متحدة بذلك الفرد ، فهو كالتعريف مع المعرف ، فلا توجد تلك الحقيقة في غير ذلك الفرد ؛ لعدم صحة وجود ذلك المتحد بها في فرد آخر ، فإذا قيل زيد الأمير ، فكأنه قيل الإمارة وزيد شيء واحد ، فلا توجد في غيره كما لا يوجد زيد في غيرها ، وهذا المعنى أبلغ وأدق من الأول ، ولم يعتبره الواضع عند الاستعمال إلا في المعرف دون المنكر ، ولو كان دالا على الحقيقة على الصحيح ، وإنما المعتبر في المنكر كونه صادقا على ذلك الفرد لا متحدا به ، ولذلك لم يفد الحصر ، ثم الجنس المذكور إما مطلق كما في الأمثلة ، وإما مقيد ؛ لأن تقييده لا يخرجه إلى الشخصية ، فيكون حصره باعتبار ذلك القيد من وصف أو حال أو ظرف نحو قولك : هو الرجل الكريم ، أي : انحصرت الرجولية الموصوفة بالكرم فيه ، لا توجد في غيره ، بخلاف مطلق الرجولية ، وقولك : هو السائر راكبا ، أي : انحصر فيه السير بحال الركوب دون مطلق السير ، وهو الأمير في البلد أي : انحصرت فيه إمارة البلد دون مطلق الإمارة ، فهي لغيره أيضا ، وهو الواهب ألف قنطار ، أي : اختص بالهبة للألف بخلاف مطلق الهبة فهي لغيره أيضا ، وكل ذلك مما دلت عليه تراكيب البلغاء ، وأشار بقوله : قد يفيد ، إلى أنه قد لا يفيد القصر ، كما في قول الخنساء : إذا قبح البكاء على قتيل * رأيت بكاءك الحسن الجميلا " 1 " لأن هذا الكلام للرد على من يتوهم أن البكاء على هذا المرثى قبيح كغيره ، فالرد على ذلك المتوهم بمجرد إخراج بكائه من القبح إلى كونه حسنا ، وليس هذا الكلام واردا في مقام من يسلم حسن البكاء عليه ، إلا أنه يدعى أن بكاء غيره حسن أيضا ؛ حتى يكون معناه أن بكاءك هو الحسن الجميل فقط دون بكاء غيرك ، فإنه ليس بحسن ، فليس المعنى على الحصر - كما توهم - إذ لا يلائمه ، إذا قبح البكاء إلخ ، وإنما الملائم له إذا ادعى حسن البكاء عليك وعلى غيرك ، فيقال حينئذ : فإن بكاءك - فقط -
--> ( 1 ) البيت للخنساء في بكاء أخيها صخر ، وهو في ديوانها ص 226 - طبعة المكتبة الكائوليكية - بيروت - ولسان العرب ( بكا ) والإيضاح ص 105 بتحقيق د . عبد الحميد هنداوى .