عباس حسن
194
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
لكن كيف يمكن التمييز بين القسمين ، والحكم على الاسم المعرب بأنه من القسم الأول « الأمكن » أو من القسم الثاني « المتمكن » ؟ لقد اقتصر النحاة على وضع علامات مضبوطة تميز الاسم المعرب المتمكن ، وهو « الممنوع من الصرف » ، وتدل عليه بغير خفاء ولا غموض ، واكتفوا بها ؛ لعلمهم أنها متى وجدت في اسم معرب كانت دليلا على أنه « لا ينصرف » ، ومتى خلا منها كان فقدها دليلا على أنه من القسم الأول ؛ وهو : « المعرب الأمكن » ، أي : « المعرب المنصرف » . فعلامة الاسم المعرب الذي لا ينصرف « وجودية » ، وعلامة المعرب المنصرف ، « عدمية ؛ أي : سلبية » . غير أن العلامة الدالة على منع الاسم من الصرف قد تكون واحدة ، وقد تكون اثنتين معا ، لهذا كانت الأسماء الممنوعة من الصرف نوعان : نوع يمنع صرفه في كل استعمالاته حين توجد فيه هذه العلامة الواحدة ، ونوع يمنع صرفه بشرط أن توجد فيه علامتان معا « 1 » من بين علامات تسع . ومجموع النوعين أحد عشر شيئا :
--> ( 1 ) يعبر النحاة عن هذا بقولهم : إن الاسم يمنع من الصرف لوجود علتين فيه ، أو علة واحدة تقوم مقام العلتين . والتعبير بعلتين ليس دقيقا ؛ لأن كل علة واحدة لا بد لها من معلول واحد ، فالعلتان لا بد لهما من معلولين حتما . فكيف يجتمع علتان على معلول واحد ؟ فإن كانتا قد اشتركتا معا في إيجاد المعلول الواحد لم تكونا علتين ، وإنما هما علة واحدة ذات جزأين اشتركتا معا في إيجاد هذا المعلول الواحد . اللهم إلا أن يكون مرادهم علتين ، أي : عيبين . ويقولون في تعليل منع الاسم من الصرف كلاما لا تطمئن إليه النفس ، ولا يرتاح إليه العقل . نلخصه للمتخصصين ، لإبانة ضعفه وتهافته ، مع دعوتنا إلى نبذه وإهماله ، يقولون : إن التنوين الأصلي خاصة من خواص الأسماء ، لا وجود له في الأفعال ولا الحروف . وأن الحروف كلها مبنية ، وكذلك الأفعال ، إلا المضارع في بعض حالاته . فالاسم إذا أشبه الحرف بنى ( كأن يشبهه في الوضع ، أو في المعنى . . . أو غيرهما من أنواع الشبه التي عرفناها في صدر الجزء الأول ، باب : الإعراب والبناء ) . وإذا أشبه الفعل منع من الصرف ؛ لأن الفعل أقل استعمالا من الاسم وأضعف شأنا منه ؛ فلذلك حرم التنوين الذي هو علامة القوة ، والوسيلة لخفة النطق . فإذا اقترب الاسم من الفعل وشابهه في الضعف فقد استحق مثله امتناع التنوين . أما سبب ضعف الفعل عندهم دون الاسم - فأمران : أحدهما : لفظي ، وهو : أن الفعل مشتق من المصدر ؛ فالفعل فرع ، والاسم أصله ، والفرع أضعف من الأصل . ثانيهما : معنوي ؛ وهو : أن الفعل محتاج دائما - إلى الاسم في الإسناد ، وليس كذلك الاسم ، فإنه قد يسند إلى اسم مثله - ولهذا كان الاسم أخف لكثرة استعماله ، والفعل أثقل ؛ لقلة استعماله -