عباس حسن
549
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
نعم قد تكون التفرقة بينهما سائغة في بعض صور ، ولكن من ناحية أخرى دقيقة غير تلك التي تصدى لها المانعون ؛ هي أن لعطف البيان غرضا معنويّا هامّا ؛ هو : إيضاح الذات نفسها ، أو تخصيصها على الوجه الذي شرحناه « 1 » أما بدل الكل فله غرض آخر يختلف عن هذا تماما ؛ هو الدلالة على ذات المتبوع بلفظ آخر يساويه في المعنى ؛ بحيث يقع اللفظان على ذات واحدة ، وفرد معين واحد في حقيقته - كما سيجئ في بابه - ولا يضر أن يختلفا في المفهوم بعض الاختلاف اليسير ما دامت حقيقة الذات المقصودة واحدة ؛ كالاختلاف الذي في نحو عرفت سعيدا أخاك « 2 » ، ولا شأن لبدل الكل بالإيضاح والتخصيص ، فحيث اقتضى المقام إيضاح حقيقة الذات أو تخصيصها - والإيضاح والتخصيص هنا ذاتيان ، ( أي : يقعان وينصبان على الذات ) - فاللفظ عطف بيان ليس غير ، بشرط أن تجتمع فيه بقية الشروط الواجبة في عطف البيان ، ومنها : مطابقته للمتبوع في الأمور الأربعة السالفة ؛ ولهذا كانت كلمة : « سيد » الثانية عطف بيان في قول الشاعر : إذا سيد منّا مضى لسبيله * أقام عمود الدين آخر سيد وحيث اقتضى المقام الدلالة على ذات المتبوع نفسها بلفظ آخر يساويه تماما في المدلول فاللفظ « بدل كل من كل » ، وبخاصة إذا فقد اللفظ شرطا من شروط عطف البيان . هذه هي ناحية التفرقة الحقة التي يجب الاقتصار عليها ؛ نزولا على أحكام اللغة ، وتقديرا لخصائصها ، وكشفا لأسرارها ، بل إن هذه التفرقة نفسها قد يمكن رفضها « 3 » .
--> ( 1 ) في ص 542 وفي رقم 2 من هامش ص 544 . وانظر البيان كاملا في ص 679 . ( 2 ) فذات « الأخ » هي ذات « سعيد » ؛ إلا أن كلمة « أخ » تشعر في الوقت نفسه بمعنى زائد ، هو : « الأخوة » التي لا تشعر بها كلمة « سعيد » ، ولكن هذا المعنى الزائد غير مقصود مطلقا في عطف البيان ، إذ لو قصد لصارت الكلمة نعتا مؤولا بالمشتق . والفرق كبير في المعنى والحكم بين النعت وعطف البيان . ( 3 ) وهي تفرقة دقيقة لا تكاد تدرك ، وغير مقصودة - كما أوضحنا في هامش الصفحة السالفة . -