عباس حسن

325

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

ب - وردت صيغ - كثيرة لاسم المكان ، قليلة لاسم الزمان ، - من مصدر الثلاثي على وفاق القاعدة ، ولكنها مختومة بتاء التأنيث للدلالة على تأنيث المعنى المراد من الكلمة . ( إذ يقصد منها : البقعة ، بمعنى المكان ) . فمما ورد في الكلام العربي الفصيح : المزلة ( بكسر الزاي ) لموضع الزّلل - المظنة بفتح الظاء « 1 » ) لمكان الظن - المشرقة ( بفتح الراء ) لموضع شروق الشمس والقعود فيها - موقعة الطائر ( بفتح القاف ) ، للمكان الذي يقع فيه - المشربة للغرفة - المدبغة - المزرعة - المزلقة - المنامة . . . وكثير مثل هذا يزيد على المائة ولكنه يكاد يقتصر على المكان . فهل يجوز القياس على هذا الوارد من المكان ، مرادا منه : « البقعة » ، بزيادة تاء التأنيث على صيغة « مفعل » التي هي بفتح العين أو التي بكسرها ، لتصير « مفعلة » - بفتح العين أو كسرها « 2 » - مع بقاء الدلالة على ما كانت عليه ؟ اختلف قدماء النحاة في الرأي ؛ فقليلهم يجيز القياس ، وأكثرهم يميل - بغير داع قوىّ - إلى المنع ؛ لتوهمه أن هذا الكثير - المسموع المختوم بالتّاء في صيغة اسم المكان - قليل لا يكفى للقياس عليه . والحق أن الرأي الذي يبيح القياس عليه سديد موفّق ، إذ كيف يوصف الوارد من تلك الأمثلة المكانية بالقلة مع أنه يبلغ العشرات « 3 » ؟ نعم إنها قلة ، ولكنها : « نسبية » ، ( أي : بالنسبة للصيغ الواردة من غير تاء التأنيث ) ، والقلة النسبية » على هذا الوجه تبيح القياس العام ، وتجيز المحاكاة من غير تقييد « 4 » ، وإن كانت لا تبلغ في درجة القوة والفصاحة مبلغ الأولى « 5 » ، فاختلاف الدرجة في القوة والفصاحة لا يمنع من صحة القياس والمحاكاة ، ولا داعى للتضييق الذي لا يدفع عن اللغة أذى ؛ ولا يجلب لها نفعا . فالأنسب إباحة القياس في صيغة « مفعلة »

--> ( 1 ) وقد سمع فيها الكسر أيضا . ( 2 ) دالة على المؤنث ، المراد به البقعة ، بمعنى المكان . ( 3 ) قال شارح « القاموس المحيط » في مادة « أسد » إن بعضهم جعله مقيسا ؛ لكثرة أمثاله . ( 4 ) انظر البيان الخاص بهذا في رقم 4 من هامش ص 79 . ( 5 ) هذا رأى بعض أئمة العربية ممن يفسرون القياس ( كما جاء في مجلة المجمع اللغوي ج 1 ص 232 ) بأنه الجرى على مقتضى الكثرة في جنسها ، لا الأغلبية العامة . وبه أخذ المجمع اللغوي في كثير من أحكامه وقراراته ، بعد أن بيّن قوته ، ورجاحة أدلته ، وشدة الحاجة للأخذ به .