عباس حسن
188
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
--> - ولا تأنيث ، ولا تذكير ، ولا علمية ، ولا شئ أكثر من ذلك المعنى المجرد . والمعاني المجردة كثيرة ، لا تكاد تحصر ، والحاجة إلى استعمالها شديدة . ومن العسير على غير العرب الأوائل معرفة المصدر الصحيح للفعل ، والاهتداء إليه بين غيره من المصادر الأخرى الكثيرة المتنوعة . بل إن العرب الأوائل - وهذا أمر يجب التنبه له - نطقوا المصادر بفطرتهم ارتجالا ، دون أن يعرفوا أسماءها الاصطلاحية ، وأحكامها المختلفة ، ونحو هذا مما وضع عند تدوين العلوم العربية ، ولا سيما النحو . فلوضع ضوابط للكشف عن هذا المصدر ، والاهتداء إليه في يسر وسهولة وتوفيق ، عكف اللغويون والنحويون - منذ عصور بعيدة - على فصيح الكلام العربي المأثور ، وعرضوا للمصادر الواردة بأكثره خلال ما عرضوا له من المسائل ، ودرسوها دراسة وافية من نواحيها المختلفة ، وبذلوا فيها الجهد - كعادتهم - مصممين أن يصلوا من وراء هذه الدراسة الصادقة المضنية إلى تجميع أكثر المصادر الواردة ، واستخلاص ظواهرها وخواصها ، ثم تصنيفها أصنافا متماثلة ، لكل صنف أوصافه وخصائصه التي ينفرد بها ، وتشترك فيها أفراده واحدا واحدا ، دون غيرها ، بحيث يصح أن ينطبق على كل صنف عنوان خاص به ، تندرج تحته أفراده ، ولا يشاركها فيه أفراد صنف آخر ، له عنوانه الخاص ، وله أوصافه وخصائصه التي تغاير ذاك . كما هو الشأن في كل القواعد والضوابط العلمية . وقد نجحوا فيما أرادوا . فجمعوا المصادر المأثورة جمعا حميدا - قدر استطاعتهم - ثم صنفوها ، ونوعوها ، وجعلوا لكل صنف ونوع قواعد وضوابط مركزة ؛ تضم تحتها أفراده الكثيرة ، المبعثرة ، وتنطبق عليها وعلى نظائرها مما نطق به العرب ، وما ستنطق به - قياسا على ما نطقت به العرب - أجيال قادمة لاعداد لها من خلفائهم ؛ فهذا صنف لمصدر الثلاثي المتعدى ، وهذا صنف آخر لمصدر الثلاثي اللازم . وكلاهما قد يكون دالا على حركة ، أو صوت ، أو غيرهما . . . - وصنف ثالث لمصدر الرباعي أو الخماسى . . . و . . . والعارف بتلك الضوابط والقواعد يستطيع أن يهتدى إلى صيغة « المصدر الأصلي » الذي يريده في سرعة وتوفيق . ونخلص من هذا إلى أمرين هامين : أولهما : أن تلك الضوابط والقواعد التي وضعوها ، وحصروا بها أنواع المصادر ، وأوزانها ، ونسقوا صنوفها ، ونظموا استعمالها - مستنبطة من أكثر الكلام العربي فصاحة ، وصحة ، وشيوعا ؛ فتطبيقها مباح لكل عارف بها ، محسن لاستخدامها ، من غير أن يلزمه أحد الرجوع إلى أصولها الأولى التي استنبطت منها ، ( وهي ؛ المصادر الواردة في الكلام العربي الأصيل ) ؛ فإن هذا الرجوع عبث واضح ، وجهد ضائع بعد أن استنفد الأئمة والعلماء جهدهم في استنباط قواعدهم وضوابطهم من ذلك الكلام الفصيح ، وانتزعوا أحكامهم من أصيله الغالب ، في دقة وحيطة ، وبالغ أمانة . فالعمل بما استنبطوه إنما هو تطبيق صحيح على ذلك الكثير المسموع ، أو مجاراة سليمة للشائع الوارد عن العرب ، ومحاكاة سائغة لامكان معها لإيجاب الرجوع إلى « الأصل » الأول ، وتحتيم المعاودة إليه قبل استعمال الضوابط والقواعد ؛ ففي هذا الرجوع إضاعة للجهد والوقت ، فلن تأتى المعاودة بجديد . وقد يكون في هذا الإيجاب والتحتيم - فوق ما فيه من إضاعة الجهد ، والوقت ، والمال - تعجيز لغير المتفرغين المشتغلين « باللغويات » عامة ، و « النحويات » -