عباس حسن
133
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
( 3 ) وتعرب أيضا على حسب حاجة الجملة إذا قطعت عن الإضافة نهائيّا ؛ ( بأن حذف المضاف إليه ، ولم ينو لفظه ولا معناه « 1 » ؛ فكأنه غير موجود من الأصل ، وهذا حين يستغنى عنه المعنى المطلوب ، ولا يتجه الغرض إلى ذكره ؛ ( لأنه معلوم ، أو لسبب بلاغىّ آخر ) ، نحو : من زرع الإساءة حصد الشقاء ليس غيرا . أي : ليس الحصد مغايرا « 2 » . وفي هذه الحالة تكون معربة ، منونة ، نكرة .
--> ( 1 ) لم ينو لفظه ولا معناه ، أي : لم يلاحظ وجوده مطلقا من هاتين الناحيتين . فحكمه كحكم الذي لم يوجد من الأصل . ( 2 ) إذا لم يلاحظ لفظا ولا معنى كان بمنزلة الذي لم يوجد من الأصل - كما سبق في رقم ( 1 ) - . ويكون المراد من كلمة « غير » هو : المعنى الاشتقاقي العام ، أي : مجرد المغايرة المطلقة » التي لا تتجه إلى شئ معين ، ولا تقع على أمر محدد غير مختلط بغيره ، ولا مبهم ، وتكون « غير » في هذه الحالة متضمنة معنى المشتق . يوضح هذا ما يأتي من الأمثلة التي لا بد منها لبيان ما فيه من دقة وخفاء . ا - إذا قلت : ( اقتصرت اليوم على أكل الفاكهة ، ليس غير الفاكهة ) - كان النفي واقعا على غير الفاكهة ، أي : واقعا على كل شئ مغاير للفاكهة . فالفاكهة لا تدخل في نطاق الأشياء المنفية ؛ فكأنك تقول : ليس المأكول شيئا مغايرا أو مخالفا الفاكهة ؛ فهي المأكولة وحدها . ب - أما إذا قلت : اقتصرت اليوم على أكل الفاكهة ، ليس غير ، أو : ليس غيرا . بالتنوين فيهما ، مع حذف المضاف إليه ، واعتباره كأن لم يوجد من الأصل ، فيكون المراد من كلمة : « غير » المعنى الاشتقاقي العام الذي تتضمنه ، وهو : « المغاير والمخالف » ؛ فكأنك تقول : ليس المأكول مغايرا » . هذا المغاير « عام مبهم ، يشمل المغاير للفاكهة ، والمغاير للأكل ، والمغاير لأصول الصحة ، والمغاير للزمن . . . والمغاير للقدرة المالية . . . فليس في الجملة ما يقيد النص على مغايرة معينة محددة ؛ وإنما فيها عموم وإبهام يريدهما المتكلم لحكمة بلاغية يرمى إلى تحقيقها . ح - يشابه ما سبق ويزيده وضوحا قولنا : حضر القطار قبل الميعاد ، وسافر بعد الميعاد ، بإضافة « قبل » و « بعد » إلى مضاف إليه مذكور ؛ فالقبلية والبعدية إنما هما بالنسبة للمضاف إليه ، فهما مقيدان به حتما ، وليسا بمطلقين ولا مبهمين لكن إذا قلنا : حضر القطار قبلا وبعدا بالتنوين والتنكير ، فإن الأمر يتغير ؛ فتزول تلك « النسبة الجزئية » أو « الفرعية » الناشئة من الإضافة ، ويرتفع القيد الذي يقيد المضاف ؛ فيصير عاما مبهما ، بعد أن كان خاصا مقيدا ؛ ويكون اسما متضمنا معنى المشتق ؛ في أصفى الآراء - فمعنى قولنا « حضر القطار قبلا » ، هو : « حضر القطار متقدما » فهذا التقدم عام مبهم يشمل أن يكون متقدما على ميعاده . أو : على نظيره من القطر الأخرى ، أر : على مكان وقوفه ، أو . . . أو . . . وكذلك يكون معنى قولنا : « حضر القطار بعدا » هو « حضر القطار متأخرا » . وهذا التأخر عام مبهم ؛ يشمل التأخر عن ميعاده ، أو عن نظيره ، أو : عن مكان وقوفه . . . فالقبلية والبعدية إنما يراد بهما معناهما الاشتقاقي المجرد الذي يتضمنه الاسم . فالأمر فيهما وفي « غير » سواء من هذه