عباس حسن
496
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
المسألة 92 : و - نيابة حرف جر عن آخر يتردد بين النحاة أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض ؛ فيتوهم من لا دراية له أن المراد جواز وضع حرف مكان آخر بغير ضابط ، ولا توقّف على اشتراك بينهما في المعنى ، ولا تشابه في الدلالة . وهذا ضرب من الفهم المتغلغل في الخطأ « 1 » . . . أما حقيقة الأمر في نيابة حروف الجر بعضها عن بعض فتتلخص في مذهبين : الأول « 2 » : أنه ليس لحرف الجر إلا معنى واحد يؤديه على سبيل الحقيقة ، لا المجاز ؛ فالحرف : « في » يؤدى معنى واحدا حقيقيّا هو : « الظرفية » . والحرف : « على » يؤدى معنى واحدا حقيقيّا هو : « الاستعلاء » . والحرف : « من » يؤدى : « الابتداء » ، والحرف : « إلى » يؤدى : « الانتهاء » . . . و . . . وهكذا . . . فإن أدّى الحرف معنى آخر غير المعنى الأصلي الخاص به وجب القول : بأنه يؤدى المعنى الجديد إما تأدية مجازية ( أي : من طريق المجاز « 3 » ، لا الحقيقة ) ، وإما تأدية تضمينية « 4 » ( أي : بتضمين الفعل ، أو : العامل الذي
--> ( 1 ) جاء في المغنى - ج 2 الباب السادس في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين ، والصواب خلافها به . ما نصه في الأمر الثالث عشر منها : « قولهم : ينوب بعض حروف الجر عن بعض ، وهذا أيضا مما يتداولونه ؛ ويستدلون به . . . « وتصحيحه يكون بإدخال : خ خ قد على قولهم : خ خ ينوب ؛ وحينئذ يتعذر استدلالهم به ؛ إذ كل موضع ادعوا فيه ذلك يقال لهم فيه : لا نسلم أن هذا مما وقعت فيه النيابة . ولو صح قولهم لجاز أن يقال : مررت في زيد ، ودخلت من عمرو ، وكتبت إلى القلم . على أن البصريين ومن تابعهم يرون في الأماكن التي ادعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه ، وأن العامل ضمن معنى عامل يتعدى بذلك الحرف ؛ لأن التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف » . اه . وسيجئ الرأي البصري كاملا مع غيره هنا . ( 2 ) وهو مذهب البصريين . أما الثاني فمذهب الكوفيين ، والكلام عليه في ص 498 . ( 3 ) وفي هذه الحالة يجب أن يتحقق للمجاز ركناه الأساسيان ، وهما العلاقة والقرينة - انظر معناهما في هامش الصفحة التالية - . ( 4 ) سبق شرح التضمين في هذا الجزء ، ص 138 من « باب » « تعدية الفعل » . ولأهميته سجلنا له بحثا شاملا مستقلا آخر هذا الجزء ص 434 .