عباس حسن
497
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
يتعلق به حرف الجر الأصلي « 1 » ومجروره . معنى فعل أو عامل آخر يتعدّى بهذا الحرف ) فحرف الجر مقصور على تأدية معنى حقيقىّ واحد يختص به ، ولا يؤدى غيره إلا من طريق المجاز في هذا الحرف ، أو من طريق التضمين في العامل الذي يتعلق به الجار الأصلي « 1 » مع مجروره . ومن الأمثلة الحرف الأصلىّ : « في » : فمعناه : الظرفية ( أي : الدّلالة على أن شيئا يحوى بين جوانبه شيئا آخر . . . و . . . كما سبق ) ، فإذا قلنا : الماء في الكوب ، فهمنا أن الكوب يحوى بين جوانبه الماء ؛ فيكون الحرف « في » مستعملا في تأدية معناه الحقيقي الأصيل . ولكن إذا قلنا : غرّد الطائر في الغصن . . ، لم نفهم أن الغصن يحوى في داخله وبين جوانبه الطائر المغرد ، لاستحالة هذا . وإنما نفهم أنه كان على الغصن وفوقه ، لا بين ثناياه . فالحرف : « في » قد أدى معنى ليس بمعناه الحقيقي الأصيل . فالمعنى الجديد ؛ وهو : « الفوقية » ، أو « الاستعلاء » إنما يؤديه حرف آخر مختص بتأديته ؛ هو : « على » فلو راعينا الاختصاص وحده لقلنا : غرد الطائر على الغصن ، فالحرف : « في » قد أدّى معنى ليس من اختصاصه . بل هو من اختصاص غيره . وهذه التأدية ليست على سبيل الحقيقة . وإنما على سبيل المجاز . واجتمع للحرف : « في » الشرطان اللذان لا بد من تحققهما لصحة استعمال المجاز « 2 » ؛ فالاستعلاء بما يقتضيه من تمكن وثبات شبيه بالظرفية التي تقتضى التمكن والثبات أيضا . فاستعملنا « الظرفية » مكان « الاستعلاء » ؛ بسبب التشابه الذي بينهما ، واستعملنا الحرف الدال على « الظرفية » مكان الحرف الدال على الاستعلاء ؛ تبعا لذلك . وكل هذا على سبيل المجاز . والقرينة الدالة على أنه مجاز ( أي : على أن الحرف : « في » مستعمل في غير معناه الأصلي ) وجود الفعل : « غرّد » ؛ إذ لا يقع التغريد في داخل الغصن ؛ وإنما يكون فوقه ، فهذه القرينة هي المانعة من إرادة المعنى الأصلي . ومن الأمثلة : « على » ؛ فهو حرف جر يقتصر عند أصحاب هذا الرأي على معنى حقيقي واحد ؛ هو : « الاستعلاء » . فإذا قلنا : الكتاب على المكتب ، فهمنا هذا المعنى الحقيقي الدال على أن شيئا فوق آخر . فالحرف مستعمل في معناه
--> ( 1 و 1 ) وملحقه . ( 2 ) هما : العلاقة بين المعنى المنقول منه والمعنى المنقول إليه ، والقرينة التي تصرف الذهن عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازى الجديد .