عباس حسن
30
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
( ح ) حرف من حروف النفي الثلاثة « 1 » : ( ما - إن - لا ) دون غيرها من أدوات النفي الأخرى . فمثال « ما » النافية : علمت ما التهوّر شجاعة . ومثال
--> - لا محل لها من لإعراب . وقد أجابوا : بأنها لا محل لها باعتبارها : « جواب قسم » - ولا مانع أن يكون لها محل باعتبار آخر ؛ هو : « التعليق » ومعنى هذا أن جملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب إذا لم يوجد عامل يحتاج إليها حتما ؛ فإن وجد عامل يحتاج إليها حتما كانت معمولة له . وقيل إن : « العلم » في المثال السالف منصب على مضمون جملة الجواب فقط ، بدون نظر إلى أنها جواب قسم ؛ فجملة الجواب وحدها على هذا الاعتبار في محل نصب سدت مسد المفعولين . ( راجع الصبان ج 2 عند الكلام على أدوات التعليق ) . وفي هذا الرأي راحة وتيسير ؛ لأنه واقعي ؛ لا يلتفت إلى الجملة القسمية المستترة ، ولا يتناسى أن جواب القسم هنا ليس مجلوبا للقسم : وإنما الغرض الأساسي الأول هو إيفاء الناسخ ما يريده ، ولا ضرر في أن يستفيد القسم منه بعد ذلك . ( وسيجئ الكلام على جملة القسم وجوابه في باب حروف الجر ( ص 460 و 467 - وما بينهما ، وفي ص 466 النص الخاص بأن جملة جواب القسم قد يكون لها محل إعرابي مع جملة القسم ) . ( 1 ) سواء أكان كل واحد منها ناسخا أم مهملا ، فالأولان قد يعملان عمل « ليس » ، والأخير قد يعمل عمل « إنّ » أو : « ليس » فاثلاثة مع الإعمال أو الإعمال صالحة لأن تكون أداة تعليق . ولا داعى لاشتراط بعضهم القسم قبل كل أداة من الثلاثة ؛ لأن هذا الاشتراط - فوق ما فيه من تضييق - لا سند له من النصوص الفصيحة الكثيرة ، فالوارد منها يدعو إلى إغفاله . ويزيد التمسك بإغفاله قوة ما يقوله أصحابه من أن القسم قبل هذه الأدوات الثلاثة يجب تقديره إن لم يكن ظاهرا في الجملة ؛ مثل : « علمت ما محمد جبان » إذ يقدرونه : علمت واللّه ما محمد جبان . فما الحاجة إلى التقدير والتأويل بغير داع ؟ ولا سيما التأويل القائم على مجرد التخيل المذكور . وإنه لتخيل مستطاع في كل صورة خالية من القسم ، فتصير به صحيحة إلا أنه يدفعنا إلى الدخول في الجدل المرهق الذي مر في المسألة السابقة - في رقم 3 من الصفحة الماضية - الخاصة بجواب القسم ومحله من لإعراب ، كما سيفتح علينا أبوبا أخرى للاعتراض والجدل ؛ نحن في غنى عنها ، ولا حاجة للبيان اللغوي الناصع بها . وزيادة في البيان نقول : إن اشتراط القسم مقصور عند جمهرة النحاة على « لا - إن » - النافيتين ، ولا يكاد يوجد خلاف في صدارة « ما » النافية غير الزائدة ؛ عاملة وغير عاملة . فقد جاء في الجزء الأول من « المغنى » عند الكلام على « لا » ما نصه : ( تنبيه - اعتراض « لا » بين الجار والمجرور في نحو : غضبت من لا شئ ، وبين الناصب والمنصوب في نحو قوله تعالى : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » . . وبين الجازم والمجزوم في نحو : « إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ . . » وتفدم معمول ما بعدها عليها في نحو قوله تعالى : « يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها . . » - دليل على أنها ليس لها الصدر . بخلاف « ما » . . . « اللهم إلا أن تقع في جواب القسم فإن الحروف التي يتلقى بها القسم كلها لها الصدر . ولهذا قال سيبويه في قوله : « آليت حب العراق الدهر أطعمه . . . » أن التقدير : على حب العراق ، فحذف الخافض ، ونصب ما بعده ؛ بوصول الفعل إليه ، ولم يجعله من باب : « زيدا ضربته » ؛ لأن التقدير « لا أطعمه » وهذه الجملة جواب : لآليت ؛ فإن معناه : حلفت . وقيل : لها الصدر مطلقا ، وقيل : « لا » مطلقا . والصواب الأول ) 1 ه وإنما قال سيبويه ذلك لأن « لا » هنا لها الصدارة فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، ولا يفسر عاملا أيضا . . وقال الأشمونى عند سرد الأدوات التي لها الصدارة ، ويحدث التعليق بسببها ما نصه : -