عباس حسن

208

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

الحذف مناف لتلك الحكمة ، معارض للغرض من الإتيان بالمصدر المؤكّد « 1 » . لكن العرب التزموا حذف عامله باطراد في بعض مواضع معينة ، وأنابوا عنه المصدر المؤكّد ؛ فعمل عمله في رفع الفاعل ، ونصب المفعول ، وأغنى عن التلفظ بالعامل ، وعن النطق بصيغته ؛ وصار ذكر العامل ممنوعا معه ؛ لأن المصدر بدل عنه ، وعوض عن لفظه ومعناه ؛ ولا يجتمع العوض والمعوّض عنه « 2 » . ولما كان العرب قد التزموا الحذف باطراد في تلك المواضع ، لم يكن بدّ من أن نحاكيهم ، ونلتزم طريقتهم الحتمية في حذف العامل في تلك المواضع ، وفي إنابة المصدر المؤكّد عنه . ولهذا قال النحاة : إن عامل المصدر المؤكّد لا يحذف جوازا - في الصحيح - ؛ وإنما يحذف وجوبا في المواضع التي التزم فيها العرب حذفه ، وإقامة المصدر المؤكّد مقامه . ومع أن العامل محذوف وجوبا فإنه هو الذي ينصب المصدر النائب عنه ( أي : أن المصدر نائب عن عامله المحذوف ، ومنصوب به معا ) . أما المواضع التي ينوب فيها هذا المصدر عن عامله « 3 » المحذوف وجوبا فبعضها خاص بالأساليب الإنشائية الطلبية ، وبعض آخر خاص بالأساليب الإنشائية غير الطلبية ، أو بالأساليب الخبرية المحضة « 4 » .

--> ( 1 ) فيما سبق يقول ابن مالك : وحذف عامل المؤكّد امتنع * وفي سواه لدليل متّسع - 6 يريد : أن هناك متسعا للحذف في غير عامل المؤكد ، عند وجود دليل على المحذوف . ( 2 ) سبقت الإشارة ( في رقم 1 هامش ص 198 وفي رقم 1 من هامش ص 213 إشارة أيضا ) إلى أن الأفضل اعتبار المصدر النائب عن عامله قسما مستقلا بذاته يزاد على الأقسام الثلاثة المشهورة . والسبب أن كثيرا من المصادر النائبة عن عاملها المحذوف قد يكون مؤكّدا لعامله ، والأصل في المؤكّد ألا يعمل ، وألا يحذف عامله . . . و . . . مع أن المؤكّد هنا يعمل ويحذف عامله ؛ فيقع التعارض والتناقض بين حكم المؤكّد هنا وحكمه في ناحية أخرى . ولا سبيل للتغلب على هذا التعارض والتناقض إلا بالتأويل والتقدير ؛ - وهذا معيب - ، أو باعتبار المؤكد هنا ، المحذوف عامله وجوبا ، قسما مستقلا . ولا ضرر في هذا ؛ بل فيه تغلب على الصعوبة السالفة . ( 3 ) بعض المصادر المؤكّدة قد تنوب عن عوامل مهملة ، أو ليست من لفظها ؛ فتكون مقصورة على السماع ، كما يجئ في ص 211 مثل : ويح ، ويل . . . وسيجئ الكلام عنها في الزيادة ، ص 218 . ( 4 ) سبق في ج 1 ص 268 م 72 إيضاح للجملة الخبرية ، والجملة الإنشائية . وملخصه : أن الجملة الخبرية هي التي يكون معناها صالحا للحكم عليه بأنه صدق أو كذب ، من غير نظر لقائلها من -