عباس حسن

155

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

ويعنينا الآن من تلك المواضع ما يكون فيه المجرور مصدرا مؤولا من حرف

--> - تمرون الديار - توجهت مكة - ذهبت الشام . . . وهذا نوع قليل جدا - فهو غير مطرد ، وقد أوضحنا حكمه بأنه سماعى محض ؛ فلا يجوز في الفعل الذي ورد معه أن ينصب غيره على نزع الخافض ، ولا يجوز في الاسم المنصوب على نزع الخافض أن ينصب على هذه الصورة إلا مع الفعل الوارد معه ؛ فلا يجوز : توجهت الحديقة ، ولا ذهبت النهر ، ولا أشباه هذا ، لأن تعدية هذين الفعلين لم ترد عن العرب إلا في : « مكة » و « الشام » على التوزيع السالف ، وكان ورودهما فيهما قليلا جدا فلا يسمح بالقياس . ومثلهما : مطرنا السهل والجبل ، وضربت الخائن الظهر والبطن ، أي : في السهل والجبل - وعلى الظهر والبطن . والقول بأن هذه الأسماء منصوبة على نزع الخافض أولى من القول بأنها مفعول به ، وأن الفعل قبلها نصبها شذوذا ، لأن نصبها على المفعولية مباشرة ولو على وجه الشذوذ - قد يوحى - خطأ - أن الفعل قبلها متعد بنفسه ؛ وأن المعنى لا يحتاج إلى المحذوف ؛ فيقع في الوهم إباحة تعديته مباشرة في غيرها لكن إذا قلنا : « منصوبة على نزع الخافض » كان هذا إعلانا صريحا عن حرف جر محذوف ، نصب بعده المجرور ؛ فيكون النصب دليلا على ذلك لا يستقيم المعنى إلا بملاحظته ، وتقدير وجوده . ومن هذا النوع المنصوب سماعا ما نصب على نزع الخافض للضرورة . ب - نوع يحذف وينصب بعده المجرور أيضا ، ولكن على اعتباره مفعولا به مباشرة - للعامل الذي يطلبه ؛ كالحروف التي يكثر استخدامها في تعدية بعض الأفعال ؛ فتجر الأسماء بعدها . وكذلك يكثر حذفها بعد تلك الأفعال ؛ فتنتصب الأسماء بعد حذفها ؛ مثل الفعل : « دخل » فقد استعملته العرب كثيرا متعديا بالحرف : « في » ؛ مثل : دخلت في الدار . وكذلك استعملته بغير « في » ونصبت ما بعده فقالت : دخلت الدار ، ولم تقتصر في حالة وجوده أو حذفه على كلمة « الدار » بل أكثرت من غيرها ، مثل : المسجد - الغرفة - الخيمة - القصر - الكوخ - فكثرة استعمال الفعل بغير حرف الجر ، ووقوع تلك الأسماء المختلفة بعده منصوبة مع عدم وجود عامل آخر - كل ذلك يدعو إلى الاطمئنان أن تلك الأسماء المنصوبة هي مفعولات للفعل الموجود ، وأن هذا الفعل نصبها مباشرة ؛ فلا حاجة إلى اعتبارها منصوبة على نزع الخافض - كما يرى بعض النحاة دون بعض - لما في هذا من العدول عن الإعراب الواضح ، المساير لظواهر الألفاظ ومعانيها - إلى الإغراب ، والتعقيد من غير داع . ومعنى ما سبق أن الفعل : « دخل » يعد من الأفعال التي تتعدى بنفسها تارة وبحرف الجر أخرى ، فهو : مثل : شكر - نصح - حيث تقول فيهما : شكرت للّه على ما أنعم ، ونصحت للغافل بأن يشكره ، أو : شكرت اللّه على ما أنعم ، ونصحت الغافل بأن يشكره . وهذا النوع هو الذي وصفناه أول هذا الباب - عند تقسيم الفعل التام إلى متعد ولازم ، ص 145 - بأنه قسم مستقل بنفسه يسمى : الفعل الذي يستعمل لازما ومتعديا . وهذا النوع يطرد فيه النصب مع حذف حرف الجر كما يطرد الجر مع ذكر الحرف . ح - نوع يحذف فيه الحرف قليلا مع بقاء مجروره على حاله من الجر ، كما كان قبل حذف الجار وهذا النوع القليل مقصور على السماع لا محالة ؛ فلا يجوز التوسع فيه بجر كلمات غير الكلمات التي وردت عن العرب كقولهم : « لاه ابن عمك » . . . ( أي : للّه ابن عمك ) . فقد حذفت اللام وبقي مجرورها ؛ فلا يجوز عند حذفها وضع مجرور آخر ؛ كأن يقال : المجد أنت - العمل النافع أخوك . تريد : للمجد أنت - للعمل النافع أخوك ، فهذا - وأشباهه - مما لا يصح . ومن هذا المسموع القليل حذف « الباء » ، أو « على » ، مع بقاء مجرورها في قول أعرابي سئل : كيف أصبحت ؟ فأجاب : « خير والحمد للّه » أي : -