عباس حسن

604

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

--> عطف مفردات . . . وهذا يقال أيضا في المثال الثالث : ( إن الإهمال مفسد للأعمال والجهل ) فالنصب جائز على اعتبار عطف الجملة على الجملة ؛ فيكون التقدير : إن الإهمال مفسد للأعمال وإن الجهل مفسد . . . ولا يصح أن يكون عطف مفرد على مفرد ؛ كي لا يؤدى إلى عدم المطابقة اللفظية ؛ بجعل التقدير : إن الإهمال والجهل مفسد للأعمال . . . وهكذا كل أسلوب آخر يشبه هذا الأسلوب . أما حيث لا مانع من عطف المفردات فيجوز مراعاته ، أو مراعاة عطف الجمل كما في المثال الأول . . . تعليل الرفع عند تأخر المعطوف أيضا عن الخبر والاسم معا : يرى بعضهم أن سبب الرفع في كلمة : ( الشموس - النثر - الجهل - النفط ) وأشباهها - هو اعتبار كل واحدة منها ، مبتدأ خبره محذوف ، يفسره خبر « إن » والجملة الاسمية التالية ، المكونة من المبتدأ وخبره المحذوف معطوف على الجملة الاسمية الأولى المكونة من « إن » ومعموليها ، فأصل الكلام إن الأقمار دائرات ( والشموس دائرات ) - إن الشعر محمود في مواطن ( والنثر محمود في مواطن . . . ) وهكذا . . . فالعطف عطف جملة على جملة . ويرى آخرون أن هذه الكلمات المرفوعة معطوفة على الضمير المستتر في خبر « إن » وخاصة إن كان الخبر مشتقا وبينه وبين المعطوف فاصل ، لأن الخبر المشتق يحوى الضمير المستتر بغير تأويل ، ولان وجود الفاصل يرضى القائلين بأنه : خ خ لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل - ومنه المستتر - المستر إلا مع فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه ( وهو الضمير ) . فكلمة . « الشموس » يجوز رفعها ؛ لأنها معطوفة على الضمير المستتر في « دائرات » وتقدير الضمير : هي . والفاصل بينهما موجود . وكلمة . « النثر » يجوز رفعها باعتبارها معطوفة على الضمير المستتر في كلمة : محمود ، وتقديره : هو . والفاصل موجود أيضا . وكلمة : « الجهل » معطوفة على الضمير المستتر في كلمة : « مفسد » . وتقديره : هو ، والفاصل موجود ، وهكذا . . . فالعطف عطف مفردات . ويرى فريق ثالث أن العطف إنما هو على اسم « إن » مباشرة ؛ باعتباره في الأصل مبتدأ مرفوعا قبل مجىء الناسخ ؛ فيجوز الرفع مراعاة لذلك الأصل بشرط ألا يتعارض مع المطابقة المطلوبة بين معمولى خ خ إن . ولكل فريق من الثلاثة - وغيرهم - أدلة في تأييد مذهبه ، وفي الرد على معارضيه . لكن الحق أن كثيرا من الأساليب العربية الفصيحة ينطبق عليها بعض الآراء دون بعض . * * * ننتقل بعد ذلك إلى الحالة الثانية التي يتأخر فيها الخبر ويتقدم عليه المعطوف ؛ فيتوسط بينه وبين اسم « إن » . وقد قلنا : إنه يجوز فيها الرفع والنصب أيضا . ولو لم نأخذ بهذا الرأي لوقعنا في لجة غامرة من التمحل ، والجدل ، والتأويل الذي لا خير فيه ، والذي يمتد إلى القرآن الكريم ، والكلام الفصيح من غير داع مستساغ . وتوجيه النصب هنا يحتاج لمزيد من اليقظة والإدراك ، كما سيتبين مما يأتي : تعليل النصب : في مثل : ( إن القاهرة ودمشق حاضرتان . . . ) يجوز نصب « دمشق » على اعتبار واحد هو أنها معطوفة على اسم « إن » المنصوب ، والخبر هو : « حاضرتان » فالعطف عطف مفرد على مفرد ، ولا يجوز أن يكون عطف جملة على جملة بإعراب « دمشق » منصوبة اسم « إن » المحذوفة مع خبرها الذي يدل عليه خبر « إن » الموجودة ؛ إذ يكون التقدير : إن القاهرة حاضرتان - وإن دمشق حاضرة - فتختل المطابقة اللفظية . هذا إلى أننا سنعطف جملة على جملة لم تكمل ولم تتم . والأمران ممنوعان . ولو أعربنا كلمة « حاضرتان » خبر « إن » المحذوفة لكان التقدير : « إن القاهرة حاضرة وإن دمشق