عباس حسن

605

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

--> حاضرتان » وهو فاسد ؛ لاختلال المطابقة اللفظية ، كفساده في مثل : محمود وصالح غائبان ، فلو أعربنا كلمة . « صالح » مبتدأ خبره محذوف - لكان التقدير : محمود - وصالح غائب - غائبان . . . والفساد واضح هنا كوضوحه لو أعربنا كلمة : « صالح » مبتدأ ، خبره كلمة : « غائبان » والتقدير : محمود غائب وصالح غائبان . والأمر بالعكس لو قلنا : إن القاهرة ودمشق حاضرة ، إذ يصح أن تكون دمشق منصوبة إما : على اعتبارها اسم « إن » المحذوفة ، وحدها ، وكلمة : « حاضرة » المذكورة خبرها . ويكون خبر « إن » المذكورة محذوف تقديره : عاصمة . مثلا - . فالأصل : إن القاهرة عاصمة . . . وإن دمشق حاضرة ؛ فالجملة الاسمية الثانية معطوفة على الجملة الاسمية الأولى . والعطف عطف جمل ، ولا يصح أن يكون عطف مفردات ؛ لما يترتب عليه من تقدير يجعل أصل الجملة : « إن القاهرة ودمشق حاضرة » فتختل المطابقة اللفظية - كما تختل في مثل : حامد وأمين قائم - بعطف خ خ أمين على : « حامد » - ؛ فيقع المفرد خبرا عن المثنى أو ما في حكمه ؛ وهذا ممنوع . وإما على اعتبارها اسم « إن » المحذوفة مع خبرها أيضا . وأصل الكلام : إن القاهرة حاضرة وإن دمشق « حاضرة » فتقدمت الجملة الثانية ، واعترضت بين اسم « إن » الأولى وخبرها ، فهي جملة معترضة ، وليست معطوفة ؛ إذ لا يصح عطف جملة على جملة إلا بعد أن تتم الجملة الأولى ، وهي المعطوف عليها . ومما سبق نعرف أن النزول على حكم المطابقة اللفظية أمر محتوم ؛ فحيث تحققت وتحكمت - كالمثال الأولى - وجب اعتبار العطف عطف مفردات ، وحيث اختلت - كالمثال الثاني - وجب اعتباره عطف جمل ، أو اعتبار الجملة الثانية غير معطوفة ، وإنما هي جملة معترضة تقدمت من تأخير ففصلت بين اسم إن وخبرها . وقد تكون مستأنفة إن اقتضى المعنى ذلك . تعليل الرفع : في المثال الأول ونظائره من نحو : إن العدالة والنصفة كفيلتان بالأمن والرخاء ، يجوز رفع كلمة : « النصفة » على أنها معطوفة على اسم « إن » باعتبار أصله مبتدأ مرفوعا قبل مجىء الناسخ ، والخبر هو كلمة « كفيلتان » ، فالعطف عطف مفردات لمطابقة الخبر لاسم « إن » مع المعطوف . ولا يصح أن يكون عطف جمل ، بإعراب كلمة : « النصفة » مبتدأ خبره محذوف ، لما يلزم عليه من فساد الأسلوب لفساد المطابقة ؛ كما شرحنا . ولما يلزم عليه أيضا من عطف جملة على جملة أخرى لم تكمل . فلو قلنا : إن العدالة والنصفة كفيلة بالأمن والرخاء ، لجاز الرفع على اعتبار كلمة : « النصفة » مبتدأ خبره ، كلمة : « كفيلة » الموجودة ، وخبر « إن » محذوف . - بعد اسمها - تقديره : كفيلة أو ضامنة . . . أو . . . ، وتقدير الكلام : إن العدالة كفيلة بالأمن ، والنصفة كفيلة بالأمن . فيكون الكلام عطف جملة اسمية لاحقة على نظيرتها السابقة ، كما يجوز إعراب كلمة : « كفيلة » الموجودة خبر « إن » . أما خبر المبتدأ فمحذوف تقديره : كفيلة - مثلا - فتكون الجملة المكونة من المبتدأ والخبر جملة اعتراضية بين اسم « إن » وخبرها ، ولا يجوز أن تكون معطوفة ؛ لما سبق من أنه لا يجوز عطف جملة على جملة إلا بعد أن تتم الأولى وهي التي عطف عليها . هذا ولا اعتداد برأي من يرفض الرفع في الصور التي لا مطابقة فيها - وغيرها - فيمنع أن يقال : إن العدالة والنصفة كفيلة . . . كما يمنع أن يقال : إن محمدا وعلى قائم . فلو أخذنا برأيه لاعترضتنا أمثلة ناصعة الفصاحة من القرآن الكريم . والكلام العربي الصحيح ، ولم نجد بدا من التمحل المعيب ، والتأويل البغيض . وكيف يوجب كثير من النحاة النصب . وحده - عند العطف بعد الاسم وقبل مجىء