عباس حسن
519
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
البيت ما دام المطر منهمرا » لا يصح أن يقال : ( سأبقى في البيت منهمرا ما دام المطر ) ؛ لأن « ما » المصدرية الظرفية لا يصح أن يتقدم عليها شئ من الجملة التي بعدها ( وهي الجملة التي تقع صلة لها ) لكن يجوز أن يتقدم الخبر على « دام » وحدها فيتوسط بينها وبين « ما » المذكورة « 1 » ؛ ففي المثال السابق يصح أن نقول : سأبقى في البيت ما منهمرا دام المطر . وفي مثل ؛ اقرأ في الكتاب ما دامت النفس راغبة ؛ لا يصح أن نقول : اقرأ في الكتاب راغبة ما دامت النفس ، ويصح أن نقول ، اقرأ في الكتاب ما راغبة دامت النفس . . . وهكذا « 2 » . وأما « ليس » فتنطبق عليها جميع الأحوال والأحكام السابقة أيضا « 3 » إلا حالة واحدة وقع فيها الخلاف بين النحاة وهي الحالة التي يتقدم فيها الخبر عليها ؛ ففريق منع ، وفريق أجاز « 4 » والاقتصار على المنع أولى .
--> ( 1 ) في ص 370 وفي رقم 1 من هامش ص 515 و . . . أنه لا يجوز الفصل بالخبر - أو بغيره - بين أن المصدرية والفعل الذي تنصبه ؛ في حين يجوز الفصل به بين « ما المصدرية الظرفية » والفعل الذي دخلت عليه ؛ ( طبقا لما سلف في 341 ) مع أن كل واحد منهما حرف مصدري لا يجوز أن يسبقه شئ من الجملة التي يدخل عليها - وهي الجملة التي يسبك معها بمصدر . هذا وبينهما فرق من جهة أخرى : فأن المصدرية تنصب المضارع ؛ فلا يجوز الفصل بينهما بالخبر أو بغيره ، محاكاة للوارد الفصيح من كلام العرب وما المصدرية لا تنصبه إن دخلت عليه ؛ فيجوز الفصل بينهما بالخبر . ( 2 ) إلى بعض ما سبق يشير ابن مالك بقوله : وفي جميعها توسّط الخبر * أجز ، وكلّ سبقه دام حظر كذاك سبق خبر : « ما » النّافيه * فجئ بها متلوّة لا تاليه يريد : أن جميع النواسخ السابقة يجوز فيها توسط الخبر بين الناسخ واسمه . ولم يذكر شروط ذلك ، ولا تفصيله . ثم قال : إن كل النحاة حظر ( أي : منع ) سبق خبر « دام » عليها ، ولم يبين أهذا المنع خاص بتقديمه عليها وحدها دون « ما » المصدرية الظرفية التي تسبقها ، أم بتقديمه عليهما معا ؟ وقد أسلفنا أن الممنوع هو تقديمه عليهما معا . أما توسطه بينهما فليس بممنوع . ثم قال : كذلك منع كل النحاة سبق الخبر وتقدمه على « ما » النافية ؛ لأن لها الصدارة في جملتها ؛ فلا يسبقها شئ منها . ويجب أن تكون متلوة ؛ أي : سابقة ، يتلوها غيرها ، ويجئ بعدها . ولا يصح أن تكون تالية غيرها ، ولا أن تجىء بعده . ( 3 ) بشرط ألا تكون للاستثناء ؛ فإن كانت للاستثناء لم يجز تقديم خبرها عليها اتفاقا . ومثلها : « لا يكون » الناسخة الاستثنائية . - كما سبق في رقم 4 من هامش ص 516 . ( 4 ) حجة الفريق الأولى أنه لم يرد على ألسنة العرب التقديم ؛ فلا يسوغ لنا مخالفتهم . وحجة الفريق الثاني أنه ورد تقديم معمول الخبر عليها في الكلام الفصيح ، ومنه قوله تعالى عن عذاب الكفار : أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) . فكلمة « يوم » ظرف للخبر : « مصروفا » فهذا الظرف المعمول للخبر قد تقدم على « ليس » ؛ فتقدمه يشعر بجواز تقدم الخبر ! ! وهذا كلام غير مقبول بعد الاعتراف بأن الكلام العربي لم يرد به تقديم .