عباس حسن

475

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

السالف . فكلمة « قراءة » مبتدأ ، وهي مصدر مضاف ، والياء مضاف إليه ، « النشيد » مفعول به للمصدر ، فهو المعمول للمصدر - « مكتوبا » حال منصوب ولا تصلح أن تكون خبرا لهذا المبتدأ ؛ إذ لا يقال : قراءتي مكتوب . وإنما الخبر ظرف محذوف مع جملة فعلية أضيف لها ، والتقدير ؛ قراءتي النشيد إذا كان مكتوبا ، أو إذ كان مكتوبا « 1 » وقد حذف الخبر الظرف بمتعلّقه ، ومعه المضاف إليه ؛ لوجود ما يدل عليه ، ويسد مسده في المعنى ؛ وهو ؛ الحال التي صاحبها الضمير ، الفاعل ، المحذوف مع فعله . ومثله : مساعدتى الرجل محتاجا ، أي : إذا كان أو إذ كان محتاجا . « فمحتاجا » حال لا تصلح من جهة المعنى أن تكون خبرا لهذا المبتدأ ، إذ لا يقال : مساعدتى محتاج ( وصاحب هذه الحال هو الضمير الفاعل المحذوف مع فعله ) . و « الرجل » مفعول به للمصدر - فهو معموله - ومثل هذا يقال في شربى الدواء سائلا ، وأكلى الطعام ناضجا - . . و . . . فإن كانت الحال صالحة لوقوعها خبرا للمبتدأ المذكور وجب رفعها لتكون هي الخبر ؛ فلا يصح إكرامي الضيف عظيما ، بل يتعين أن نقول : إكرامي الضيف عظيم . . . بالرفع على الخبر « 2 » . . .

--> ( 1 ) نجىء بكلمة : « إذ » حين يكون الغرض من الكلام الزمن الماضي ؛ لأن « إذ » تستعمل في الغالب ظرفا للماضى . ونجىء بكلمة « إذا » حين يكون الغرض الزمن الحالي ، أو المستقبل ، أو المستمر ، لأن « إذا » تستعمل ظرفا في كل هذا - غالبا - « وكان » في المثالين تامة ، وفاعلها مستتر تقديره : « هو » صاحب الحال . والخبر المحذوف هو الظرف : « إذ أو إذا » وهو مضاف والجملة الفعلية التي بعده مضاف إليه ، وقد حذفت معه . ( 2 ) قد يخطر على البال السؤال عن السبب في استعمال هذا الأسلوب ، وإيثاره ، مع أنه قد يبدو غريبا . ويجيب كثرة النحاة بأنه يفيد معنى دقيقا خاصا ؛ هو قصر هذا المبتدأ على الحال - غالبا - أي : حصر معنى هذا المبتدأ في الحال ؛ فكان الناطق بمثال من تلك الأمثلة السالفة - ونظيرتها - يقول : قراءتي النشيد لا تكون إلا في حال كتابته ، أما في غيرها فلا أقرؤه - مساعدتى الرجل مقصورة على حالة احتياجه ، أما في غيرها فلا أساعده . وهكذا . . . وعندهم أننا لو لم نصطنع هذا الأسلوب بطريقته المأثورة عن العرب لحرمنا ما يحققه من الغرض المعنوي السالف الذي يقررونه في أكثر الصور . أما إعراب هذا التركيب فموضع جدل عنيف يثير الدهش والأسف ، لعدم جدواه . ويقول صاحب الهمع ( ج 1 ص 104 ) إن مسألة الحال التي تسد مسد الخبر : ( مسألة طويلة الذيول ، كثيرة الخلاف ، وقد أفردتها قديما بتأليف مستقل ) ، ثم عرض - كغيره - للقليل من تلك الآراء المختلفة فلم يزدنا بسردها وبجدل أصحابها إلا دهشا ، وأسفا بل استنكارا لطول الذيول ، وكثرة الخلاف ، والتأليف المستقل فيما لا غناء فيه . لنترك هذا لنقول إن الإعراب الذي ذكرناه هو أحد تلك الآراء المتعددة والذين ارتضوه أكثر من غيرهم ، ويوجبون أن يكون الظرف ( إذ - أو : إذا ) متعلق بمحذوف هو الخبر الأصيل .