عباس حسن

476

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

هذا ، وتتلخص جميع مواضع حذف الخبر - التي سبقت - في العلم بالمحذوف لوجود ما يدل عليه ، أو ما يغنى عنه في المعنى لا في الإعراب . 5 - حذفه من بعض أساليب مسموعة عن العرب ؛ منها : حسبك ينم الناس « 1 » .

--> - وأن هذا الظرف مضاف إلى جملة فعلية بعده ، وهو والجملة محذوفان وجوبا ؛ لدلالة الحال على ذلك المحذوف وسدها مسد الخبر ؛ فلا حاجة لذكره معها . ولا يقبلون أن يكون الظرف بمتعلقه هو الخبر مع وجود الحال ولا يقبلون شيئا يكون هو الخبر بل يحتمون أن تقوم الحال مقام الخبر المحذوف وتغنى عن ذكره ؛ زاعمين أنه لو كان في الجملة خبر أصيل واقتصرت الحال على إعرابها حالا مجردة ليست قائمة مقام الخبر لترتب على هذا أن يفصل الخبر بين هذه الحال وعاملها المبتدأ المصدر ، والفصل بين المصدر وعامله بأجنبي - وهو هنا الخبر - ممنوع عندهم ، ويضمون إلى هذا أدلة جدلية وهمية نرى الخير في إهمالها وفي إعراب الظرف المحذوف بمتعلقه هو الخبر مباشرة ، أو الخبر لفظ آخر محذوف يناسب السياق وتدل عليه القرينة مع إعراب الحال المذكورة حالا أصيلة لا تسد مسد الخبر ولا غيره . وهذا رأى كثير من الكوفيين وبعض البصريين كالمبرد ؛ فقد جاء في كتابه « الكامل » ( ج 2 ص 78 ) حين قال الفرزدق لآخر : « حكمك مسمّطا » - وهذه الجملة ، كما يقول النحاة من الأمثلة التي وقعت فيها الحال سادة مسد الخبر سماعا ، لأن هذه الحال صالحة لوقوعها خبرا - ما نصه : « إعرابه أنه أراد : لك حكمك مسمطا » واستعمل هذا فكثر حتى حذف - أي : الخبر ، وهو لك - استخفافا ، ( أي : للخفة ) لعلم السامع بما يريد القائل ؛ كقولك : الهلال واللّه . أي : هذا الهلال . وأغنى عن قوله : « هذا » - القصد والإشارة . وكان يقال لرؤبة : كيف أصبحت ؟ ويقول : خير عافاك . اللّه . فلم يضمر حرف الخفض ولكنه حذف لكثرة الاستعمال . والمسمط : المرسل غير المردود . . . ) اه . . . فنرى من هذا أنه قدر الخبر المحذوف لكثرة الاستعمال جارا ومجرورا ، ولم يجعل الحال سادة مسده ولعل هذا الرأي هو الأفضل ، ليسره ووضوحه وخلوه من التكلف والتعقيد ، ولا مانع من قبول ما ارتضوه على أن يكون رأيهم في المنزلة الثانية بعد الرأي الذي عرضناه . ومن تكلفهم وتعقيدهم أنهم يوجبون أن يكون صاحب الحال هو الضمير فاعل الفعل المحذوف ( كان التامة ، أو ما يماثلها ) وهذا الضمير عائد على معمول المصدر . فلم لا يكون صاحب الحال هو معمول المصدر مباشرة بدلا من الضمير العائد على المعمول ( الذي هو كلمة : النشيد - الرجل - الدواء . . في الأمثلة السالفة وأشباهها ) ؟ يمنعون هذا الإعراب السهل الواضح بحجة أضعف مما سبق ، فيقولون : لو كان صاحب الحال هو المعمول للمصدر مباشرة لأدى ذلك إلى أن تجىء الحال في ترتيبها المكاني بعد ذلك المعمول ؛ ان يكون المصدر متقدما ، يليه معموله ، وبعدهما الحال ؛ لأن الثلاثة كتلة متماسكة ، تلتزم الترتيب السابق ، ولا يفصل بينها فاصل ، وهذا الترتيب والتماسك يوجبان - عندهم - أن يجئ الخبر بعدها جميع . . . فكيف تسد الحال مسد خبر ذكرت قبله ، ولم يحذف قبل مجيئها ليخلى مكانه لها فتحل به ؟ يتعللون بهذا مع أن الضمير ومرجعه بمثابة شئ واحد . ذلك بعض جدلهم بإيجاز كبير ، وهو نوع من الجدل الذي يضيع فيه الوقت والجهد بغير طائل . وقد حل وقت نبذه . ومن شاء أن يلم به فليرجع إلى المطولات التي اشتملت عليه كالهمع ( ج 1 ص 104 ) ولا علينا أن نعرب الحال في الأمثلة السالفة ونظائرها « حالا » مستقلة بنفسها ليست قائمة مقام الخبر ، - كما قلنا - وأن الخبر هو الظرف بمتعلقه أو : هو لفظ غير الظرف يصلح خبرا ، وقد حذف للعلم به ، وأن صاحب الحال هو معمول المصدر مباشرة ، وليس الضمير العائد على ذلك المعمول . ولا داعى لبذل الجهد الضائع في إخضاع كلام عربى بليغ لضوابط لا تنطبق عليه ؛ ولسيطرة « العامل » فيما لا نفع فيه ، على حين يجب أن تخضع الضوابط والعوامل لفصيح الكلام العربي المسموع عنهم في هذا الأسلوب . ( 1 ) أصل الكلام ، حسبك السكوت ينم الناس . ( ومعنى حسبك : « كافيك » ، فتكون اسما -