عباس حسن
89
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
فحذفت الواو للتخلص من التقاء الساكنين « 1 » . وإنما وقع الحذف عليها لوجود علامة قبلها تدل عليها ؛ وهي : « الضمة » ولم تحذف النون ، مراعاة للغرض البلاغي السابق ؛ ولعدم وجود ما يدل عليها عند حذفها . ومثل ذلك يقال في : « تقومنّ » فأصلها : « تقوميننّ » حذفت النون الأولى ، وبقيت نون التوكيد المشددة ، فصار اللفظ أنت تقومينّ ؛ فالتقى . ساكنان : ياء المخاطبة والنون الأولى المدغمة في نظيرتها . فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين ، ولوجود كسرة قبلها تدل عليها ، ولم تحذف النون للحاجة إليها ، فصار اللفظ تقومنّ ( 2 ) . . . فعند إعراب « تقومنّ . . . السابقة ، أو تقومنّ . . . نقول : فعل مضارع
--> ( 1 ) قال بعض النحاة : ( إن التقاء الساكنين هنا على حده ؛ فهو جائز : فلا حاجة إلى حذف الواو والياء للتخلص منه . ويمكن الدفع بأنه وإن كان جائزا - لا يخلو من ثقل ما ، فالحذف هو للتخلص من الثقل الحاصل به . ا ه الصبان ج 1 في الكلام على إعراب المضارع . . . ) وقال فريق آخر من النحاة : ( إن قلت : هو هنا على حده ؛ لكون الأول من الساكنين حرف مد « أي : حرف علة قبله حركة تناسبه » والثاني مدغما في مثله . وهما في كلمة واحدة لأن الواو والياء كجزئها - فلم لم يقبل كما قبل في نحو دابة ؟ أجيب : بأن الساكنين هنا من كلمتين ؛ لا من كلمة واحدة ؛ إذ الواو والياء كلمة مستقلة ، وكونهما كالجزء لا يعطيهما حكمه من كل وجه ؛ فلم يغتقر التقاؤهما لثقله . . . ا ه خضرى في الموضع السابق أيضا ) . ثم قال : وإنما اغتفر في ألف الاثنين لأن حذف الألف يوجب فتح النون ؛ لفوات شبههما بنون المثنى فيلتبس بفعل الواحد . . . ا ه ) والذي نراه في الواو والياء - ويؤيده السماع القوى كالذي في قوله تعالى ( أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ . . . ) أنه يجوز حذفهما وعدم حذفهما في الأمثلة السابقة وأشباهها على حسب الاعتبارين السالفين . لكن الحذف هو الأكثر - طبقا لما سيأتي في ص 162 و 255 ويؤيد صحة الحذف وعدمه ما جاء في حاشية الألوسى على القطر ( ص 57 ) من أن التقاء الساكنين المغتفر يتحقق بأن يكون الأول منهما حرف مد ( أي : حرف علة قبله حركة تناسبه ) والثاني منهما مدغما في مثله : كدابة والضالين . فليس في هذا الكلام ما يدل على اشتراط اجتماعهما في كلمة واحدة . ومن أمثلته قوله تعالى : ( فَاسْتَقِيما ، وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) فقد اشتملت الآية على المضارع « تتيبعان » الذي وقع فيه التقاء الساكنين على حده المباح مع أن الالتقاء هنا في كلمتين . أما من يشترطون أن يكون الالتقاء في كلمة واحدة . فيقولون في المضارع السابق وأشباهه مما لم يحذف فيه حرف العلة ، إن سبب بقاء حرف العلة ، وعدم حذفه هو ضرورة طارئة ، كمنع اللبس في المضارع السالف ، لأن حذف الألف يوقع في اللبس بين فعل الواحد والفعل المسند لألف الاثنين ، ولا يمكن إبقاء الألف وحذف نون التوكيد ، لئلا يضيع الغرض الهام الذي جاءت لتحقيقه ؛ وهو التوكيد . ويؤيد ما سبق أيضا ما جاء في هامش الشذور - ص 15 - فهو شبيه بما نقله الألوسى . وجاء في شرح التصريح ( ج 2 باب الإبدال عند الكلام على إبدال الواو من الياء ) ما نصه : يجوز الجمع بين ساكنين إذا كان الأول حرف لين - يريد حرف مدّ . والثاني مدغما -