محمد بن طولون الصالحي
210
شرح ابن طولون على ألفية ابن مالك
وإذا استعملت تامّة كانت بمعنى فعل لازم ، ف " كان " بمعنى : حصل ، نحو وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ [ البقرة : 280 ] أي : حصل ، و " أمسى " بمعنى : دخل في المساء ، و " أصبح " بمعنى : دخل " 1 " في الصّباح ، نحو فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ، وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ الروم : 17 ] أي : حين تدخلون في المساء ، وحين تدخلون " 2 " في الصّباح ، و " دام " بمعنى : بقي ، نحو خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ
--> - الحدث ، فإذا فرض زوال ما به الافتراق وبقاء ما به التساوي لزم ألّا يكون بين الأفعال المذكورة فرق ما دامت على صيغة واحدة ، ولو كان الأمر كذلك لم يكن فرق بين " كان زيد غنيا " ، و " صار غنيا " ، والفرق حاصل فبطل ما يوجب خلافه . الخامس : أنّ من جملة العوامل المذكورة : " ما انفك " ، ولا بد معها من ناف ، فلو كانت لا تدل على الحدث الذي هو الانفكاك بل على زمن الخبر - لزم أن يكون معنى " ما انفك زيد غنيا " : ما زيد غنيا في وقت من الأوقات الماضية ، وفي ذلك نقيض المراد فوجب بطلان ما أفضى إليه . السادس : أنّ من جملة العوامل المذكورة " دام " ومن شرط إعمالها عمل " كان " كونها صلة ل " ما " المصدرية ، ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها ، كقولك : " جد ما دامت واجدا " أي : جد مدة دوامك واجدا ، فلو كانت " دام " مجردة عن الحدث لم يقم مقامها اسم الحدث . السابع : أنّ هذه الأفعال لو لم يكن لها مصادر لم تدخل عليها " أن " ، كقوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ ، لأن " أن " هذه وما وصلت به في تأويل المصدر ، وقد جاء مصدرها صريحا في قول الشاعر : ببذل وحلم ساد في قومه الفتى * وكونك إيّاه عليك يسير وقد حكى أبو زيد مصدر " فتئ " مستعملا ، وحكى غيره " ظللت أفعل كذا ظلولا " ، وجاؤوا بمصدر " كاد " في قولهم : " ذلك ولا كيدا " أي : ولا أكاد كيدا ، وكاد فعل ناقص من باب " كان " إلا أنّها أضعف من " كان " ، إذ لا يستعمل لها اسم فاعل ، واسم فاعل " كان " مستعمل ، ولا يستعمل منها أمر ، والأمر من " كان " مستعمل ، وإذا لم يمتنع استعمال مصدر " كاد " وهي أضعف من " كان " فلئن لا يمتنع استعمال مصدر " كان " أحق وأولى . الثامن : أنّ هذه الأفعال لو كانت لمجرد الزمان لم يغن عنها اسم الفاعل ، كما جاء في الحديث : " إنّ هذا القرآن كائن لكم أجرا ، وكائن عليكم وزرا " ، لأنّ اسم الفاعل لا دلالة فيه على الزمان ، بل هو دال على الحدث ، وما هو به قائم ، أو ما هو عنه صادر . التاسع : أنّ دلالة الفعل على الحدث أقوى من دلالته على الزمان ، لأنّ دلالته على الحدث لا تتغير بقرائن ، ودلالته على الزمان تتغير بالقرائن ، فدلالته على الحدث أولى بالبقاء من دلالته على الزمان . العاشر : أنّ هذه الأفعال لو كانت مجردة عن الحدث مخلصة للزمان ، لم يبن منها أمر ، كقوله تعالى : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ، لأنّ الأمر لا يبنى مما لا دلالة فيه على الحدث . فإذا قد ثبت بالدلائل المذكورة أنّ هذه الأفعال - غير ليس - دالة على الحدث والزمان كغيرها من الأفعال فليعلم أنّ سبب تسميتها نواقص إنّما هو لعدم اكتفائها بمرفوع . انظر ذلك في شرح التسهيل لابن مالك : الجزء الأول ( ورقة : 55 ) . ( 1 - 2 ) في الأصل : تدخلون . انظر التصريح : 1 / 190 .