جلال الدين السيوطي
97
همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو
قال ابن مالك : والأولى عندي جعله توكيدا لفظيا ؛ لأن عطف البيان حقه أن يكون للأول به زيادة وضوح ، وتكرير اللفظ لا يتوصل به إلى ذلك ، وفارق بما ذكرناه سائر التوابع إلا النعت ، ( لكن يجب جموده ) ولو تأويلا ، وبذلك يفارق النعت ، والمراد بالجامد تأويلا العلم الذي كان أصله صفة فغلبت ، ( لا كونه أخص من المتبوع أو غير أخص ) منه ، أي : لا يجب واحد منهما ( في الأصح ) قال في شرح « الكافية » : واشترط الجرجاني والزمخشري زيادة تخصيصه ، وليس بصحيح ؛ لأنه في الجامد بمنزلة النعت في المشتق ، ولا يشترط زيادة تخصص النعت فكذا عطف البيان ، بل الأولى بهما العكس ؛ لأنهما مكملان ، وقد جعل سيبويه ( ذا الجمة ) من ( يا هذا ذا الجمة ) عطف بيان مع أن ( هذا ) أخص انتهى . وقال في شرح « التسهيل » : زعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص ، بل يساويه أو يكون أعم منه ، والصحيح جواز الثلاثة ؛ لأنه بمنزلة النعت ، وهو يكون في الاختصاص فائقا ومفوقا ومساويا ، فليكن العطف كذلك انتهى . فذكر في كل من الكتابين مسألة ، وتحصل من ذلك في المسألتين ثلاثة أقوال ، وقال أبو حيان : شرط ابن عصفور أن يكون عطف البيان أعرف من متبوعه ، وعلله بأن الابتداء بالأخص يوجب الاكتفاء به ، وعدم الحاجة إلى الإتيان بما هو دونه ، ( ويوافقه ) أي : متبوعه ( في الإفراد والتذكير والتنكير وفروعهما ) أي : التثنية والجمع والتأنيث والتعريف كالنعت . ( ومنع البصرية جريانه على النكرة ) وقالوا : لا يجري إلا في المعارف ، كذا نقله عنهم الشلوبين ، قال ابن مالك : ولم أجد هذا النقل عنهم إلا من جهته ، وذهب الكوفيون والفارسي والزمخشري إلى جواز تنكيرهما ومثلوا بقوله تعالى : مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ [ إبراهيم : 16 ] ، وقوله : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ [ المائدة : 95 ] ، مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ [ النور : 35 ] ، وهو الصحيح ، واحتج المانعون بأن الغرض في عطف البيان تبيين الاسم المتبوع وإيضاحه ، والنكرة لا يصح أن يبين بها غيرها ؛ لأنها مجهولة ولا يبين مجهول بمجهول ، وأجيب بأنها إذا كانت أخص مما جرت عليه أفادته تبيينا ، وإن لم تصيره معرفة ، وهذا القدر كاف في تسميته عطف البيان ، قال ابن عصفور : وهو مبني على اشتراط كونه أخص ، ( وجوز الزمخشري تخالفهما ) فأعرب قوله تعالى : مَقامُ إِبْراهِيمَ [ آل عمران : 97 ] عطف بيان وهو معرفة جار على آياتٌ بَيِّناتٌ وهي نكرة ، قال أبو حيان : وهو مخالف لإجماع البصريين والكوفيين فلا يلتفت إليه .