جلال الدين السيوطي

68

همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو

بخلاف ( سلام ) بمعنى التحية فإنه يتصرف ، ومنه حجرا بكسر الحاء يقال للرجل : أتفعل هذا ؟ فيقول : حجرا ، أي : منعا ، أي : أمنع نفسي وأبعده وأبرأ منه ، وقال سيبويه ، أي : سترا وبراءة من هذا ، ومنه قوله تعالى : وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً [ الفرقان : 22 ] ، ولا يتصرف إذا كان مشابا معنى المبادأة والتعوذ ، بخلاف ما إذا كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب هذا المعنى ، فإنه متصرف كقوله تعالى : لِذِي حِجْرٍ [ الفجر : 5 ] ، ومن ذلك عجبا وحمدا وشكرا لا كفرا ، قال ابن مالك : وهي إنشاء . قال أبو حيان : وكذا قال الشلوبين أيضا ، فقال : إن قلت : كيف يكون هذا مما لا يظهر فعله ، ولا شك أنه يجوز أن تقول : حمدت اللّه حمدا ، وأحمده حمدا ، فالجواب إنما تكلم سيبويه في ( حمد ) الذي هو نفس الحمد ، أعني الذي هو صيغة الإنشاء للحمد ، وهذا لا يظهر معه الفعل ، بل يتعاقبان ، والذي أورده المعترض إنما هو محض الخبر عن الحمد لا نفس الحمد . قال أبو حيان : والذي ذكره ابن عصفور أن هذه الألفاظ خبر ، فإنه قال : عجبا وحمدا وشكرا ثلاثتها مصادر قائمة مقام أفعالها الناصبة لها ، أي : أعجب عجبا ، وأحمد حمدا ، وأشكر شكرا ، وتفارق ويله وأخواتها في أن معنى هذه الخبر ، ومعنى تلك الدعاء ، وتفارق سبحان اللّه وأخواته وإن كان معناها الخبر من جهة أنها تتصرف فتستعمل مرفوعة كقوله : « 744 » - عجب لتلك قضيّة وإقامتي * فيكم على تلك القضيّة أعجب وتلك لا تتصرف ، وقد سردها سيبويه مع ما هو خبر فقال : « هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره ، من ذلك قولك : حمدا وشكرا لا كفرا وعجبا ، وأفعل ذلك وكرامة ومسرة ونعمة عين وحبا ، ونعام عين ، ولا أفعل ذلك ولا كيدا ولا هما ، ولأفعلن ذلك ، ورغما وهوانا ، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل ، كأنك قلت : أحمد اللّه حمدا وأشكر اللّه شكرا وأعجب عجبا وأكرمك كرامة وأسرك مسرة ولا أكاد كيدا ، ولا أهم هما ، وأرغمك رغما ، ثم قال سيبويه : وقد جاء بعض هذا رفعا يبتدأ ، ثم يبنى عليه كقوله : عجب لتلك قضية . . . البيت »

--> ( 744 ) - البيت لهني بن أحمر في الكتاب 1 / 319 ، واللسان مادة ( حيس ) ، ولهمام بن مرة في الحماسة الشجرية 1 / 156 ، ولرؤبة في شرح المفصل 1 / 114 ، وبلا نسبة في السمط ص 288 ، وشرح الأشموني 1 / 97 ، 1 / 216 ، وشرح التصريح 2 / 87 ، وشرح قطر الندى ص 321 ، انظر المعجم المفصل 1 / 58 .