جلال الدين السيوطي
392
همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو
هذا قول الجمهور ، وزعم بعض المتأخرين أن الفاء لا تحذف في غير الضرورة أصلا وأن الجواب في الآية فذوقوا العذاب ، والأصل فيقال لهم : ذوقوا ، فحذف القول وانتقلت الفاء للمقول وأن ما بينهما اعتراض . ( و ) من أجل ذلك أيضا ( لم يلها فعل ) لأنها لما قدرت بمهما يكن وجعلوا لها جوابا تعذر إيلاؤها الفعل من حيث إن فعل الشرط لا يليه فعل إلا إن كان جوابا ، والفرض أن ما بعد الفاء جواب ( وتفيد ) أما ( التفصيل فتكرر غالبا ) نحو : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ [ البقرة : 26 ] . قال ابن هشام في « المغني » : والتفصيل غالب أحوالها ، قال : وقد يترك تكرارها استغناء بذكر أحد القسمين عن الآخر ، أو بكلام يذكر بعدها في موضع ذلك القسم ، فالأول نحو : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ [ النساء : 175 ] الآية ، أي : وأما الذين كفروا فلهم كذا وكذا ، والثاني نحو : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [ آل عمران : 7 ] الآية ، أي : وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم ، ويدل على ذلك : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران : 7 ] إلى آخره . ( و ) تفيد ( التوكيد ) قال في « المغني » : وقل من ذكره ، قال : ولم أر من أحكم شرحه غير الزمخشري فإنه قال : فائدة ( أما ) في الكلام أن تعطيه فضل توكيد ، تقول : زيد ذاهب ، فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت : أما زيد فذاهب ، وكذلك قال سيبويه في تفسيره : مهما يكن من شيء فزيد ذاهب ، وهذا التفسير يدل بفائدتين : بيان كونه توكيدا ، وأنه في معنى الشرط انتهى . ( وتفصل ) أما ( من الفاء ) بواحد من أربعة أمور : ( إما بمبتدأ ) كالآيات السابقة ، ( أو خبر ) نحو : أما في الدار فزيد ، ( وقيل : الفصل به قليل ) نقله في « المغني » عن الصفار ، ( أو معمول لما بعدها ) إما صريحا نحو : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [ الضحى : 9 ] ، أو مفسرا نحو : أما زيدا فاضربه ، ( قال سيبويه : أو ) جملة ( شرط ) نحو : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ [ الواقعة : 88 - 89 ] ، الآيات ( لا بجملة تامة ) لأن هذا التقديم إنما جاز للاضطرار ليحصل الفصل بين أما والفاء ، وذلك حاصل باسم واحد فبقي الزائد على أصله من المنع ؛ إذ الفاء لا يتقدم عليها ما بعدها ، قال أبو حيان : إلا إن كانت للدعاء نحو : أما زيدا رحمك اللّه فاضرب . عمل ما بعد الفاء فيما قبلها