ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
9
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ " 1 " إن الثانية بدل البعض من الأولى لدخولها فيها . ثم قال : وظاهر المفتاح يشعر بوقوع حتى في عطف الجمل ؛ حيث قال في بحث العطف : ولا بد في " حتى " من التدريج لما ينبئ عنه قوله : وكنت فتى من جند إبليس فارتقى * بي الحال حتّى صار إبليس من جندي " 2 " إذ الظاهر أنه مثال لحتى العاطفة ، وحينئذ تجعل الشرط المذكور مخصوصا بحتى العاطفة للمفردات ، هذا وفيه أنك عرفت أنه يجري الشرط في الجمل وتفصيله في البيت أنه اندرج في ارتقى في الحال صار كذا وصار كذا فيصح حتى صار إبليس من جندي ، وإنما قال الظاهر ؛ لأنه يجوز أن يكون نظير الإفادة تدريج حتى العاطفة ، وله في المفتاح غير نظير ويحمل قوله : ولا بد في " حتى " على حتى مطلقا مساغ ، ومعنى البيت على ما هو المشهور أنه صار بمتابعة إبليس مترقيا في الشرارة إلى أن تبعه إبليس متابعة الجندي للسلطان ، ففيه تحذير عن ارتكاب الصغائر فإنه يفضي إلى الجزاءة على أكبر الكبائر ، ويحتمل أن يكون المراد أني صرت بالتوبة إلى أن انقاد بي إبليس ولا يزاحمني في الطاعة ، ففيه ترغيب في العبادة والجد فيه وإزالة الخوف من تسويل النفس وغلبة الشيطان فإنه يندفع بالثبات على الخير ، وإنما شاع العطف بما سوى الواو وحتى ولا ؛ لأن لها معنى محصلا وفائدة يعتد بها ، بخلاف الواو فإنه لا يفيد إلا اشتراك الجملتين في التحقق ، ولا توجه للنفس إلا الاشتراك في التحقق بعد معرفة تحققهما ؛ لأنه ليس معنى يعجب النفس ، وإنما يعجبها ويجعلها طالبا له بشرائط لا يتيسر معرفتها إلا الأوحدي بعد أوحدي ؛ فلذا ترى المهرة يبوحون بحصر البلاغة فيه مبالغة في كونه مدارا لها لا تقول : لو لم تعطف الجملتان لأوهم أن الجملة الثانية رجوع عن الأول ؛ لأنا نقول : لا كلام في صحة العطف في مقام التوهم ، وهو عطف لدفع
--> ( 1 ) الشعراء : 132 . ( 2 ) البيت لأبي نواس في المفتاح : 102 ، والإيضاح : 58 . وحتى فيه ليست عاطفة ، وإنما يقصد التمثيل به لإفادتها التدريج ، وإنما لم تكن عاطفة لأن المشهور أنها لا تأتي في عطف الجمل ، لأن الجملة قبلها لا يستقبل بها الكلام حتى يصح العطف عليها عند من يقول بصحة العطف بها في الجمل .