ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

440

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

وأما قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً " 1 " فيحتمل الوجهين ، وأما قوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً " 2 " فيحتملهما ، ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون الاستثناء من أصله متصلا لأن معنى السّلام هو الدعاء بالسلامة ، وأهل الجنة أغنياء عن ذلك ، فكان ظاهره من اللغو ، وفضول الكلام ، لولا فائدة الإكرام ، هذا كلامه ، ويتجه عليه أنه إتيان بصفة مدح مستثناة من صفة ذم منفية ، لا بصفة مدح مع حرف الاستثناء ، بعد صفة مدح أخرى . فكيف يحتمل كونه من الضرب الثاني ؟ وأجيب بأن معنى كونه من الثاني ، أنه من قبيله في عدم إفادته التأكيد إلا من وجه واحد ، وبهذا اختل تعريف الضرب الأول ، وتفصيله على الإطلاق أو الحصر في الضربين ، وانهدم ما ذكر بالدفعة فتذكر . والحق أن يقال : يجوز أن يعتبر : لا يسمعون ، صفة مدح ، ويعتبر الوصف بعدم سماع اللغو ، لا نفي سماع اللغو ، حتى يكون القصد إلى نفي صفة ذم ، وحينئذ يكون إِلَّا سَلاماً بتقدير لكن يسلمون سلاما صفة مدح أخرى ، بعد أداة استثناء لا يمكن تقدير إدخالها في الأول ، ويحتمل أن يعتبر نفيا لصفة ذم هو سماع اللغو ، ويكون إلا سلاما مستثنى من لغو ، فيكون من الضرب الأول لا محالة ، لما قدمناه لك ، فلا ترض بانهدامه ، وكن لاغتنامه ، وإنه لا يجوز أن يكون الآية الأولى أيضا محتملة للثالث ، وأجيب بأن السّلام لا يمكن إدخاله تحت التأثيم ، ولو بحسب الظاهر ، لأن التأثيم أن يقال لأحد أثمت ، ولا يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بمتعدد غير مستثنى منه ، وأيضا يتجه على الاحتمال الثالث أنا لا نسلم أن أهل الجنة أغنياء عن الدعاء بالسلامة ، لجواز أن يكون سلامتهم في الجنة ، ويقررها لأنهم لا ينفكون عن السّلام ، فتأمل ، وتحتمل الآية وجها رابعا بأن يكون سلاما مصدرا حينيا أي لا يسمعون فيها لغوا وقتا إلا وقت تسليم ، فيكون من الضرب الآخر . ( ومنه ) أي من تأكيد المدح بما يشبه الذم ( ضرب آخر ) كالضرب الأول بعينه في إفادة التأكيد ، فإنهم لذلك حصروها في ضربين ، فالحصر منقول ،

--> ( 1 ) الواقعة : 25 ، 26 . ( 2 ) مريم : 62 .