ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
265
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
بلغ التشبيه معه مرتبة يخص بها أخص الخواص . ثم إنه يمكن حمل التشبيه على ما هو خاصيّ في أصله ، بأن يقال : لم يقصد تشبيه السير بالسيل في السرعة ، بل تشبيه المطايا ، وهي الإبل التي لها لون السيل بنفس السيل في الاتصال والحمرة والسرعة ، وتشبيه أعناقها المرتفعة المتحركة بما يجري على السيل ، ولا يخفى أن هذا تشبيه مركب مبتدع في غاية الدقة . ولك أن تريد بالأباطح : الطرق ، فيكون من تشبيه الطرق بالأباطح ، بعد تشبيه السير بالسيل في السرعة ، فيكتنف تشبيه السير بالسيل بضم تشبيه الطرق بالأباطح إليه دقة وخصوصا . قال المصنف : وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل ، كما في قول امرئ القيس : وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل : ألا يا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثل " 1 " أراد وصف الليل بالطول ، فاستعار له صلبا يتمطى به ؛ إذ كان كل ذي صلب يزيد شيء في طوله عند تمطيه ، ثم بالغ في ذلك ، جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا ، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهرة ، والشدة والمشقة فاستعار له " كلكلا " أي : صدرا ينوء به أي : يثقل به ، هذا كلامه . قال الشارح : والظاهر : أن هذا من قبيل الاستعارة بالكناية ، كاليد للشمال ، يعني : ليس مما نحن فيه من الاستعارة المصرحة ، ولا يخفى أن التقسيم إلى العامية والخاصية مما يجري في الاستعارة بالكناية أيضا ؛ لأنه دائر على ظهور الجامع وغرابته . فلا يبعد أن يصير الاستعارة بالكناية في الليل باعتبار تشبيهه المبتذل
--> ( 1 ) الأبيات لامرىء القيس في ديوانه : ( 117 ) من معلقته المشهورة . كموج البحر : يعني في ظلمته وكثافته ، أرخى سدوله : أرسل ستوره ويريد بها ظلمته ، تمطى بصلبه : تمدد بجسده ، أردف أعجازا : تابع أواخره بأوائله ، بككل : بمعنى حط وبمعنى بعد ، الأولى بالمقام أي : حط بصدره .