ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

205

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

[ إما قريب مبتذل أو بعيد غريب ] للتشبيه باعتبار وجهه ، وهو أنه ( إما قريب مبتذل ) أي : غير مصون من أحد ، بل يعطي لكل أحد ويناله بمجرد توجيهه ، والابتذال عدم الصيانة ( وهو ما ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير تدقيق نظر لظهور وجهه في بادي الرأي ) أي ظاهر الرأي ، فإن جعل من بدا يبدو فالأمر ظاهر لفظا ومعنى ، وإن جعل من بدأ مهموزا فوجه حذف الهمزة أنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها . ذكره القاضي في تفسير قوله تعالى : بادِيَ الرَّأْيِ " 1 " في سورة هود ، ووجهه جعل أول الرأي ظاهره ، تنزيل أول الرأي منزلة ظاهر الشيء الذي يبدو أولا ، ولك أن تجعله حينئذ بمعنى أول الرأي ، ولك أن تهمزه كما في قراءة من قرأ " باديء الرأي " بالهمزة ، وجعل القاضي تقديره في الآية في وقت حدوث بادي الرأي على حذف مضافين ولك أن تجعله ظرفا تنزيليا فيستغنى عن حذف المضاف ، ولا ينتقض التعريف بتشبيهه بكون المشبه به لازما ذهنيا للمشبه مع خفاء وجهه ؛ لأنه ليس انتقالا لظهور وجهه في بادي الرأي . وقوله لظهور وجهه قيد للتعريف وتحقيقه أن يكون المشبه بحيث إذا نظر العقل فيه ظهر المفهوم الكلي الذي هو مشترك بينه وبين المشبه به ، من غير تدقيق نظر ، والتفات النفس إلى المشبه به من غير توقف ، ولم يكتف بما ظهر وجهه في بادي الرأي ؛ لأنه يتبادر منه الظهور بعد التشبيه ، وإحضار الطرفين ، وهو لا يكفي في الابتذال ، بل لا بد أن يكون انتقال من المشبه إلى المشبه به ؛ لظهور وجهه بمجرد ملاحظة المشبه . ( إما لكونه أمرا جمليا ) لا تفصيل فيه ( فإن الجملة أسبق إلى النفس ) من التفصيل ؛ وذلك لأن التفصيل بتحليل أمر مجمل أو بجمع أمور مجملة ، وبالجملة الجملة أسبق إلى النفس ، ولأن النفس مجبولة على درك المجمل ، وحفظ المجمل ، حتى إن التفصيل كأنه خروج عن جبلتها ، ولأن المجمل أحب عندها ؛ لأنه الذي يبقى لها بعد التفصيل ، فكان التفصيل وسيلة إلى تحصيل مجمل على ما ينبغي . ألا ترى أن التعريفات التي هي تفاصيل وسائل معرفات هي مجملات ، حتى إذا حصل المجمل أعرض النفس عن التعريف ، والتفصيل هنا ما خطر بالبال في تفصيل هذا الإجمال ، ولعله أجمل مما ذكره الشارح المحقق في شرح هذا المقال ،

--> ( 1 ) هود : 27 .