ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

549

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

وينبغي أن يعم الفصل المعنوي واللفظي ليشمل هذا البيت ، فالبيت عندهم من مواضع تعذر الاتصال ، والظاهر أن مأخذ قول النحاة إشعار فيها إشعار بالقصر لانفصال الضمير ، فلا معنى لجعله وجها ثالثا ، فإن قلت : صحة انفصال الضمير معه ليس إلا لكون الضمير مستثنى في المعنى ، والأصوليون لا ينكرونه ، بل يجعلون إن للإثبات ، وما للنفي لتحصيل معنى القصر ، فمعنى إنما أدافع عن أحسابهم أنا عندهم أيضا ما أدافع إلا أنا فكيف يصير حجة عليهم . قلت : لو جعل أن للإثبات ، وما للنفي لا يقع الضمير بعد معنى إلا ، بل يكون التقدير : إني أدفع عن أحسابهم ، وما يدافع غيري ، ويكون مآل الكلام القصر ، ولا يخفى أنه لا يقع حينئذ الضمير بعد معنى إلا بخلاف ما قاله النحويون ( قال الفرزدق [ أنا الذّائد ] ) من الذود وهو الطرد [ ( الحامي الذّمار ) ] وهو العهد ، وفي الأساس : هو الحامي الذمار ؛ إذ أحمى ما لم يحمه لئيم وعنيف من حماه وحريمه [ ( وإنّما يدافع عن أحسابهم ) ] أي : القوم العار [ ( أنا أو مثلي ) ] " 1 " فلولا مراده أنه لا يدافع عن أحسابهم إلا أنا ؛ لقال : إنما أدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي بتأكيد ضمير الفاعل ليصبح العطف عليه ، وبهذا اندفع أنه لم لا يجوز أن يكون الانفصال للضرورة ، على أنه لا يجوز للضرورة الإخراج عن الأصل ، وإنما الجائز هو الرد إلى الأصل ، والأصل في الضمائر الاتصال ، وإسناد يدافع إلى أنا ، إما لاشتراك الصيغة بين الغائب والمخاطب والمتكلم المنفصلين ، وإما لأنه في الحقيقة مسند إلى مستثنى منه غائب ، نقل عن علي بن عيسى الرلفي مناسبة بين إنما ، ومعنى النفي والاستثناء دعت إلى وصفها له ، وهو أن إن للتأكيد وما يزاد للتأكيد ، ففي الجمع بينهما تأكيد على تأكيد ، كما أن في القصر ذلك قال الشارح : وجهه أن قولك : جاء زيد لا عمرو ، لمن تردد المجىء بينهما ، يفيد إثبات المجىء لزيد صريحا ، وهو تأكيد للإثبات المطلق المسلم الثبوت ، وفي قولك : لا عمرو إثبات المجىء ضمنا لزيد ثانيا : لأن المجىء لما كان مسلم الثبوت لأحدهما ، فإذا نفيته عن عمرو إثبات المجىء ، فقد أثبته لزيد ضرورة ، فقد جاء تأكيد بعد تأكيد لنفس الحكم ، أو تأكيد لخصوص الحكم بعد تأكيد لنفس الحكم هذا ، ولا

--> ( 1 ) البيت في التلخيص ص 38 ، والإيضاح ص 126 ، ومفتاح العلوم ص 403 ، ودلائل الإعجاز ص 328 وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص 91 .