ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
544
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
كاتب ، إلقاء حكمين لمخاطب يعلم الأول ، فيخلو عن فائدة الخبر ؛ إذ من البين أن ليس مقصودك إفادة أنك عالم به ، بل مقصودك تسليم ما اعتقده ، ولم يعد فائدة للخبر ، وثانيهما : منكر وقد خلا عن المؤكد ، وأن زيد قائم لا قاعد إلقاء حكمين منكرين بلا تأكيد ، ويمكن أن يقال : القصد بالأول إفادة العلم به ؛ لأن التسليم معناه الموافقة مع المخبر في العلم ، والثاني تأكيد بأنه ألقاه مقرونا بتسليم بعض الدعوى ، فكأنه قال : إني أخبر مع نصفة وتحقيق فأوافق فيما أعلم ، وأخالف فيما هو منكر ، وأما زيد قائم لا قاعد ، فقد تأكد فيه لا قاعد بفهمه قبل ذكره من إثبات القيام ، وتأكيد الحكم بالقيام بنفي القعود بقد تقرر أن أحدهما واقع ، ومن هذا اندفع أن قوله : لا قاعد لغو ؛ لأنه اتضح بإثبات القيام ، ودفعه الشارح المحقق بأن ذكره للتنبيه على أن المخاطب يعتقد العكس ومجرد الإثبات خال عن هذه الفائدة ، ولا يذهب عليك أن طريق العطف مخصوص بغير الحقيقي لا يجري فيه قصر حقيقي . ( ومنها ) أي : من الطرق ( النفي والاستثناء ) " 1 " لا الاستثناء مطلقا ، إذ الاستثناء من الإيجاب ليس القصد فيه إلى الحصر ، بل إلى تصحيح الحكم الإيجابي ، فهو بمنزلة تقييد طرف الحكم ، فكما أن جاءني الرجال العلماء ليس قصرا ، كذلك جاءني الرجال إلا الجهال ليس قصرا ، وهذا بخلاف الاستثناء من النفي ؛ فإن المقصود من نحو : ما جاءني إلا زيد قصر الحكم على زيد ، لا تحصيل الحكم ، وإلا لقيل : جاءني زيد ، فتأمل . وقال السيد السند في حواشي شرحه على المفتاح : ولعل السر في ذلك أن المستثنى إذا كان جزئيا للمستثنى منه ، كما في المفرغ من المنفى ، نحو : ما جاءني إلا زيد ، وما يؤول إليه المفرغ المذكور إذا صرح فيه بالمقدر ، نحو : ما جاءني أحد إلا زيد ، حسن أن يعتبر اعتقاد المخاطب للشركة ، أو للعكس ، أو تردده في
--> ( 1 ) بخلاف الاستثناء من الإثبات فإنه ليس بقصر عندهم ، وقيل : إنه قصر أيضا ؛ لأنك إذا قلت " قام القوم إلا زيدا " قصرت عدم القيام على زيد ، ومن يذهب إلى أنه ليس بقصر يرى أنه قيد مصحح للحكم لا غير ، فكأنك في هذا المثال قلت : جاء القوم المغايرون لزيد ، كما تقول " جاء القوم الصالحون " وهذا بخلاف قولك " ما جاءني إلا زيد " فإن الغرض من النفي والإثبات المحققان للقصر ، ولهذا يستعمل النفي والاستثناء عند الإنكار بخلاف الاستثناء من الإثبات .