ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني
257
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
وبما عرفت اندفع أيضا أن الأولى ذكرهما في البيان لاحتياج بعض مباحثهما إلى معرفة المجاز اللغوي ، والاستعارة بالكناية ، ولما بحث عنهما هاهنا كان المناسب أن يستوفي البحث حتى لا يحتاج إلى إعادة بحثهما في البيان ؛ فبحث عن مطلق الإسناد باعتبارهما لأنهما لا يخصان الإسناد الخبري . [ ثم الإسناد منه حقيقة عقلية ] قال الشارح : فلذا قال ( ثم الإسناد ) وذكره بالاسم الظاهر دون الضمير لئلا يتوهم عوده إلى الإسناد الخبري هذا ، وهذا هو الذي ذكره البيضاوي " 1 " - قدس سره - في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ " 2 " حيث قال : وكرر لفظ الهدى ولم يضمر لأنه أراد بالثاني أعم من الأول ، وأورد عليه أن المتبادر من معرفة سبق ذكرها العهد ، وكونها عين ما سبق ، وإن جاز حملها على غير ما سبق ، فهي كالضمير بعينه في أن الظاهر أن مرجعه عين ما سبق ، مع جواز رجوعه إلى ما في ضمنه . ولا يذهب عليك أن العطف " بثم " حينئذ للتراخي الرتبي ، لكون بحثه أشمل مما سبق ، ونحن نقول : لم يضمر لبعد المرجع جدّا ، أو لدفع توهم رجوعه إلى الكلام المذكور في قوله : وكثيرا ما يخرج الكلام على خلافه ، والمقام لاستيلاء الوهم ؛ كيف والمشهور الثابت في أصل يعني المفتاح التلخيص كون الحقيقة والمجاز العقليين كلاما ؟ على أنه قد تقرر في موضعه أنه إذا دار الضمير بين الأبعد والأقرب فهو عائد إلى الأقرب ، نفى أنهما لا يخصان بالإسناد ، بل يجريان في التعلق نحو : أجريت النهر ، والإضافة نحو قوله تعالى : شِقاقَ بَيْنِهِما " 3 " على ما قيل ، وفي النسبة الوصفية نحو : الربيع المنبت ، فقصد استيفاء البحث عنهما كما ذكرت يستدعي ذكر ما هو أعم من الإسناد ، ولا يذهب عليك انتقاض تعريفهما بها ، وسيأتي لهذا الكلام تتمة . وإنما قال ( منه حقيقة عقلية ) ومنه مجاز عقلي توطئة لتعريفهما ، ولم يقل :
--> ( 1 ) البيضاوي : هو عبد اللّه بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي ناصر الدين البيضاوي قاض . مفسر علامة ، ولد بفارس وتوفي سنة 685 ه . ( 2 ) البقرة : 38 . ( 3 ) النساء : 35 .