ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

219

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

البخاري عن زيد بن أرقم أنه قال : كنت في غزاة فسمعت عبد اللّه بن أبي بن سلول يقول : لا تنفقوا علي من عند رسول اللّه حتى ينفضوا من حوله ، ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل ، فذكرت ذلك لعمي فذكره للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدعاني فحدثته فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عبد اللّه بن أبي وأصحابه ، فحلفوا أنهم ما قالوا فكذبني رسول اللّه - عليه السّلام - وصدقهم فأصابني هم لم يصبني مثله قط ، فجلست في البيت فقال لي عمي : ما أردت إلى أن كذبك رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ومقتك ، فأنزل اللّه إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ فبعث إلىّ النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقرأ عليّ فقال : " إن اللّه صدقك يا زيد " " 1 " . هذا ولا يخفى أنه تأويل فيه بعد ، وقريب منه ما يمكن أن يقال : إنه راجع إلى قولهم : ليخرجن الأعز منها الأذل ، فيكون قوله وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ " 2 " مؤكدا له ، وذكر بعض الأفاضل : أن المعنى أنهم قوم عادتهم الكذب ، وإن صدقوا في هذا القول ، فلا تعتمد عليهم ولا تصدقهم فيما يقولون ، ونحن نقول : يحتمل أن يكون المراد - واللّه تعالى أعلم - أن قول المنافقين نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ " 3 " مفيد بحضورك ، وحضور أهل الإسلام ، وأما في الخلوة مع شياطينهم فحالهم خلاف ذلك ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ " 4 " فيما ينافقون ويضمرونه في أنفسهم ، ولهذا أعاد الظاهر ليعلق لكذب بصريح المنافقين لا بضميرهم ، ليكون ظاهرا في رجوعه إلى ضميرهم ، ويحتمل أن يكون الكذب راجعا إلى خبر يستفاد من كثرة التأكيد ، أي هذا حكم في معرض المبالغة في إنكاره فيحتاج إلى كثرة التأكيد ، ومن شواهد ضعف تمسك النظام ما يتجه عليه : أن الآية لا توجب جعل صدق الخبر خلاف ما عليه الجمهور ، بل جعل صدق المتكلم تكلمه بما يوافق اعتقاده ، وكذبه تكلمه بما لا يطابقه . ( الجاحظ ) أي قال الجاحظ كما هو السابع في الكتاب ، وليس مراد الإيضاح

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب التفسير ، تفسير سورة المنافقين ، حديث ( 4900 ) . ( 2 ) المنافقون : 8 . ( 3 ) المنافقون : 1 . ( 4 ) المنافقون : 1 .