حسن بن عبد الله السيرافي

55

شرح كتاب سيبويه

فإذا قلنا : " ما أتاني إلا زيد " فكأنك قلت : ما أتاني رجل وحده ولا رجلان مجتمعون ولا متفرقون ، فإذا ثبتنا على هذا الحد فقلنا أتاني إلا زيد . فقد أوجبت إتيان الناس كلهم على هذه الأحوال المتضادة ، وذلك لا يجوز ولا يقصد . وبذلك على الفرق بينهما : أنك تقول : " ما زيد إلا قائم " فتنفي عنه القعود والاضطجاع . ولا تقول : زيد إلا قائم ، فتوجب له حال إلا القيام . وهذا محال لاجتماع القعود والاصطجاع فيما توجبه له . فتأمل ذلك إن شاء اللّه تعالى . هذا باب ما حمل على موضع العامل في الاسم والاسم لا على ما عمل في الاسم ولكن الاسم وما عمل فيه في موضع اسم مرفوع أو منصوب وذلك قولك : ما أتاني من أحد إلا زيد و " ما رأيت من أحد إلا زيدا " فإنما منعك أن تحمل الكلام على من أنه خلف أن تقول : " ما أتاني إلا من زيد " . فلما كان كذلك حمله على الموضع فجعله بدلا منه ، فكأنك قلت : ما أتاني أحد إلا فلانا ؛ لأن معنى " ما أتاني أحد " و " ما أتاني من أحد " واحد . ولكن من دخلت هاهنا توكيدا كما تدخل الباء في قولك : كفى بالشيب والإسلام وفي : " ما أنت بفاعل " و " لست بفاعل " . ومثل ذاك : " ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به " من قبل أن " بشيء " في موضع رفع في لغة بني تميم . فلما قبح أن تحمله على الباء صار كأنه بدل من اسم مرفوع وبشيء في لغة أهل الحجاز في موضع منصوب ، ولكنك إذا قلت : ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به ، استوت اللغتان وصارت " ما " على أقيس اللغتين . لأنك إذا قلت : ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به فكأنك قلت : ما أنت إلا شيء لا يعبأ به . وتقول : لست بشيء إلا شيئا لا يعبأ به كأنك قلت : لست إلا شيئا لا يعبأ به . والباء هاهنا بمنزلتها فيما قال الشاعر : يا بني لبيني لستما بيد * إلا يدا ليست لها عضد " 1 "

--> ( 1 ) البيت لأوس بن حجر ، والرواية في ديوانه ص 4 : أبني لبيني . وانظر : ابن يعيش 2 / 90 ، والمقتضب 4 / 421 .