حسن بن عبد الله السيرافي

54

شرح كتاب سيبويه

يقول ذاك إلا زيدا ، لا يكون فيه إلا النصب ؛ لأن الضرب هو المنفي في المعنى والقول ليس بمنفي . . . ألا ترى أنك تقول : " ما أوذي أحدا يوحد اللّه تعالى " وقد علم أنه لم يقصد إلى نفي من يوحد اللّه . وإنما نفي أداة لهم ، فلم يجز البدل إلا من " أحد " لأنه هو الذي وقع به الفعل المنفي وهو الأذى . وقوله : " أقل رجل يقول ذاك إلا زيد " لا يصح البدل من لفظه ؛ لأنا إن أبدلنا " زيدا " من " أقل رجل " لطرحناه في التقدير فبقي : " يقول ذاك إلا زيد " وهذا لا يصح ولكنا نرده إلى معناه ونفصّله بما يصح معه البدل . " وأقل " ينصرف على معنيين . أحدهما : النفي العام . والآخر : ضد الكثرة . فإذا أريد النفي العام جعل تقديره : ما رجل يقول ذاك إلا زيد . كما تقول : " ما أحد يقول ذاك غلا زيد " . وإن أريد به ضد الكثرة فتقديره : " ما يقول ذاك كثير إلا زيد " ومعناهما يؤول إلى شيء واحد ؛ لأنه إذا أبدل زيدا في الاستثناء فقد أبطل الذي قبله ، فكأنه يقول : " ما يقول ذاك إلا زيد ، ألا ترى أنه إذا قال : " ما أتاني القوم إلا زيد " فكأنه قال : ما أتاني أحد منهم إلا زيد . وقوله وكذلك " أقل من " " وقلّ من " إذا جعلت من نكرة بمنزلة " رجل " فإن " من " إذا كانت بمنزلة " رجل " لزمته الصفة ، فإذا قلت : أقل من يقول ذاك ، صار يقول ذاك " صفة لمن " ويبقى " أقل " بلا خبر . وإذا قلت : أقل رجل يقول ذاك " فرجل " غير محتاج إلى صفة . " ويقول ذاك " خبر " أقل " . و " زيد " بدل من " أقل " كما ذكرنا . وأقل من يقول ذاك ، لم يتم به الكلام ، وتمامه في قولك : " إلا زيد " فيصير بمنزلة " ما أخوك إلا زيد " . وأما " قول من يقول ذاك " فهذا كلام تام ؛ لأنه فعل وفاعل . فإن قال قائل : لم أبدلت العرب من المنفي ولم تبدل من الموجب فيقال : أتاني القوم إلا زيد ؟ قيل له : لأن المنفي يصح حذف الاسم المبدل منه قبل " إلا " ولا يصح ذلك في الموجب . لا يقال : أتاني إلا زيد . وإنما جاز : ما أتاني إلا زيد . . ولم يجز " أتاني إلا زيد " لأن النفي الذي قبل إلا قد وقع على ما لا يجوز إثباته من الأشياء المتضادة . ولا يجوز إثبات ما يتضاد .