حسن بن عبد الله السيرافي

327

شرح كتاب سيبويه

تُفْلِحُونَ " 1 " وإنما صار كذلك لأن لعل فيها طمع ، والذي يفعل الفعل ملتمسا لكون الشيء ، فإنما يطمع في ذلك الملتمس ويرجوه ، والمعاني إذا تقاربت اشتركت كثيرا في الألفاظ ، ومنها : أن يكون ( ما ) ( من ) ( كما ) و ( ما ) بعدها من الفعل بمنزلة المصدر ، كقولك أزورك كما تزورني ، وائتني كما آتيك ، وكما تدين تدان ، وكما يفعلون أفعل ، أي أزورك كزيارتك إياي ، وائتني كإتياني إياك ، فإن قال قائل : إن كان المصدر الذي بعد الكاف من فعل ماض ، فينبغي أن تقول أزورك كما زرتني ، وإن كان من فعل مستقبل ، فكيف يشبهه بما لم يكن قيل له ، أما الفعل إذا كان ماضيا ، فالوجه فيه أزورك كما زرتني ، وائتني كما أتيتك ، وإن كان مستقبلا فتقديره أتيني كإتياني إياك إن أتيتني ، وكذلك لا تشتم الناس كما لم تشتم في معنى المصدر ، وتقديره : اترك شتمهم كتركهم شتمك إن تركت شتمهم ، والوجه الثالث : أن يكون ( كما ) وقتا كقولك : ادخل كما يسلم الإمام أي في ذلك الوقت ، وانصرف كما يجلس الوزير ، أي في وقت جلوسه والوجه الرابع : فيما ذكر بعض النحويين أن ( كما ) تقييد للتشبيه حسب ، ولا ينضم ( ما ) إلى الذي عنده ، ولا يختلط به ، كما يقال : أنا عندك كما أنت عندي ، قال اللّه عز وجل : يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ " 2 " فكما بجملتها مفيدة التشبيه ، وعلى هذا يجعل ( ربما ) بجملتها بمعنى ( رب ) غير أنها لا تخفض ، وحكى الكوفيون النصب ب ( ما ) بمعنى ( كما ) وحذف الباء منها ، وإن كانوا غير دافعين للدفع بعدها ، ولم يحك البصريون ذلك ، وقد وافقهم على ذلك أبو العباس المبرد ، واستحسن قولي الكوفيين والبصريين ، ولم يحتج في ذلك بشيء إلا ببيت احتج به الكوفيون وهو قوله : وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه * كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تصرف " 3 " قال أبو سعيد هذا البيت وما بعده مما احتج به الكوفيون للنصب ب ( ما ) فتأول ، أو مروي على غير روايتهم مما لا يكون لهم حجة ، أما هذا البيت فغيرهم يرويه : . . . فاصرفنه * لكي يحسبوا أن الهوى حيث تصرف وقد احتجوا بقول رؤبة :

--> ( 1 ) سورة الحج ، الآية : 77 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 138 . ( 3 ) البيت ورد منسوبا لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 53 .