حسن بن عبد الله السيرافي

325

شرح كتاب سيبويه

قال سيبويه في أول الكتاب : وأما القبيح المستقيم ، فقولك : قد زيدا رأيت ، وقد فصلوا بينها وبين الفعل أيضا بالقسم ، كقولك : قد لعمري بت ليلى ساهرا ، وقد واللّه أحسنت ، وحسن في ( قد ) الفصل ، ولم يحسن الفصل بين الألف واللام ، وبين ما دخلتا عليه ؛ لأن ( قد ) تنفرد ، ولا يذكر بعدها شيء فقويت بذلك ، واحتمل الفصل لقول النابغة : أقد التّرحّل غير أنّ ركابنا * لمّا تزل برحالها وكأن قد " 1 " وقال : تفريق أفي اليوم تقويض الأحبة أم غد * لما تبن وجها لهم وكأن قد ومنه السين ، وسوف من الفعل المستقبل كمنزلة الألف واللام في تلخيص الفعل المستقبل ، وقصره عليه كقصر الألف واللام للاسم المذكور على شيء بعينه ، ووجه آخر أن السين ، وسوف هما إثبات ( لن ) و ( لن ) نقيضتهما ، ولا يفصل بين ( لن ) وما تدخل عليه ، فكذلك السين ، وسوف ، وأما ( ربما ) و ( قلما ) فإن الأصل فيهما ( رب ) . وقل : فأما ( رب ) فهي حرف خفض لا يجوز أن يليها فعل ولا تدخل حروف الخفض على الأفعال ، وأما ( قل ) فهي فعل ، ولا يليها فعل ، لأن الفعل لا يعمل في الفعل ، وإنما حق الأسماء أن تقع بعدها ، فإذا أرادوا بعدها أن تقع الأفعال أدخلوا ( ما ) وجعلوها مع ( الذي ) قبلها شيئا واحدا بمعنى حرف مهيّأ للفعل بعده ، ولا تعمل شيئا ، وجعلوا فيه المعنى الذي يريدونه ، كما جعلوا ( هلا ) و ( لو ما ) و ( لولا ) وما شابهها ما أرادوها ، ويجوز أن يكون أدخلوا ( ما ) وهي اسم ، وأتوا بالفعل بعدها فصار الفعل صلة لها فانتصب و ( رب ) واقعة على اسم تقديره أنه مخفوض ب ( رب ) ، قل واقعة على اسم تقديره أنه مرفوع ب ( قد ) ، وذلك قولك : ربما يقوم زيد . وقال اللّه عز وجل : رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ " 2 " ويقول : قلما يقوم زيد ، فهذا وجه الكلام فيها ، وقد تجعل ( ما ) زائدة ، وبعدها اسم مخفوض ب ( رب ) ، كقولك : ربما رجل خلصته من السبع . قال الشاعر :

--> ( 1 ) البيت في ديوانه 89 ، ابن يعيش 8 / 148 ؛ المقتضب 1 / 42 . ( 2 ) سورة الحجر ، الآية : 2 .