حسن بن عبد الله السيرافي
324
شرح كتاب سيبويه
تلك الحروف ( قد ) لا تفصل الفعل بغيره ، وهي جواب لقوله : من فعل . كما كانت فعل جوابا ل ( هل فعل ؟ ) ، فإذا أخبرت أنه لم يقع ، ولما يفعل وقد فعل إنما هما لقوم ينتظرون شيئا ، فمن ثم أشبهت ( قد ) ( لمّا ) في أنها لا يفصل بينها وبين الفعل . ومن تلك الحروف أيضا سوف يفعل لأنها بمنزلة السين في قولك سيفعل ، وإنما تدخل هذه السين على الأفعال ، وإنما هي إثبات لقوله : لن يفعل فأشبهتها في أن لا يفصل بينها وبين الفعل . ومن تلك الحروف ربما وقلما وأشباهها ، وجعلوا رب مع ما بمنزلة كلمة واحدة . ( وهيئوها ليذكر بعدها الفعل ، لأنه لم يكن لهم سبيل إلى رب تقول ولا إلى ( قل يقول ) : فألحقوهما ( ما ) وأخلصوهما للفعل ، ومثل ذلك ( هلّا ) ولولا و ( ألّا ) ألزموهن ( لا ) وجعلوا كل واحدة مع ( لا ) بمنزلة حرف واحد ، فأخلصوهن للفعل ، حيث دخل فيهن معنى التخصيص ، وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم ، قال : صددت فاطولت الصدود وقلّما * وصال على طول الصّدود يدوم " 1 " واعلم أنه إذا اجتمع بعد حروف الاستفهام . نحو ( هل ) و ( كيف ) و ( من ) - اسم وفعل كان الفعل بأن يلي حرف الاستفهام أولى ؛ لأنها عندهم في الأصل من الحروف التي يذكر بعدها الفعل ، وقد بيّن حالها فيما مضى . قال أبو سعيد قول سيبويه : لا يفصل بين الفعل وقد بغيره أراد على وجه الاختيار ، وموضوع قد لأن منزلة قد في الفعل ، كمنزلة الألف واللام من الاسم لأن دخولها على فعل متوقع أو مسؤول عنه ، لأنه إذا قال : قد قام زيد ، فإنما يقوله لمن توقع قيامه ، أو لمن سأل عنه ، فقال : هل قام زيد ، وإذا قال : قام زيد ، فإنما يبتدئ إخبارا بقيامه لمن لم ينتظره ، ولم يتوقعه ، فأشبهت ( قد ) العهد في قولك : جاءني الرجل لمن عهده المتكلم أو جرى ذكره عنده قبل ذلك كقولك : ناظرت اليوم رجلا فقال لي الرجل في مناظرته كذا وكذا ، ومما يوجب أن لا يفصل بينها وبين الفعل ، أنها تفيض ( لما ) ، و ( لما ) حرف جازم تقول : ركب زيد ولما يتعمم ، فيقول الراد عليه : بل ركب زيد وقد تعمم ، ومعناه ركب وهذه حاله ، إلا أنهم أجازوا الفصل بينها وبين الفعل .
--> ( 1 ) البيت ورد منسوبا إلى الفقعسي في ديوانه 480 ، الكتاب 1 / 31 ، 3 / 115 ؛ المقتضب 2 / 84 ؛ همع الهوامع 2 / 83 ، 224 .