حسن بن عبد الله السيرافي

292

شرح كتاب سيبويه

تحدثني ، كأنه قال : إن يكن منك أن تأتيني فتحدثني ، وقبح هذا كقبح : أنت تأتيني فتحدثني ؛ والوجه : أنت تأتيني فتحدثني على ترك المتناول البعيد من غير حاجة إليه ، وتأويل النصب أنت يكون منك إتيان فحديث كما قال : وألحق بالحجاز فاستريحا " 1 " فإذا أدخلت لا حسن النصب ، وصار فيه تأويل : ما تأتيني محدثا ، كأنه قال : ما تأتني إلا لم تحدثني ، والذي حسّن النصب فيه حرف النفي ، وذلك قوله : ومن لا يقدّم رجله مطمئنة * . . . فيثبتها . . . " 2 " نصب ( فيثبتها ) ، كما ينصب لا تأتينا فتحدثنا ، بمعنى لا تأتينا إلا لم تحدثنا ، ومثله : ومن لا يقدم إلا لم يثبت زلق ، وإذا قلت : إن تأتني فأحدّثك ، فلا يجوز بعد الفاء إلا الرفع ، لأن الشرط في الأصل جملة مبناها على فعل وفاعل ، والجواب جملة أخرى ثانية مبناها على مبتدإ وخبر ، وفعل وفاعل ، وإنما ربط إحداهما بالأخرى . ( إن ) ولا حاجة إلى الفاء إذا كانت جملة الجواب فعلا وفاعلا ، ثم أدخلت الفاء ليليها الاسم لما احتيج إلى الجواب بالابتداء والخبر ، ثم جعل مكان الاسم الفعل ، فارتفع لوقوعه موقع الاسم ، وليس الجواب بالفاء المرفوع مثل ما انتصب بين المجزومين ، الذي تقديره تقدير مصدر معطوف على مصدر فعل الشرط ، كما قدّر بقولنا إن يكن إتيان فحديث أحدثك ، فالحديث متصل بالأول شريك له معطوف عليه ؛ ولو قلت : إن يكن إتيان فحديث ، وسكت واكتفيت صار قولك . فحديث هو الجواب ، وليس بمعطوف على شيء ، بل يقدّر بعد الفاء مبتدأ وخبر مبتدأ ، كأنك قلت : إن يكن إتيان فعندي حديث ، أو فأمري حديث ، كما تقول : إن تأتني فمكرم مخبوّ ، أي فأنت ، وكما قيل : " المرء مقتول بما قتل به إن خنجرا فخنجرا " " 3 " ، وقد مضى نحوه . وإذا عطفت فعلا على الجواب المجزوم ، فلك فيه ثلاثة أوجه : الجزم والرفع والنصب ، فالجزم والرفع جيدان مختاران ، والنصب دونهما ، تقول : إن

--> ( 1 ) عجز بيت سبق تخريجه . ( 2 ) البيت ورد منسوبا لكعب بن زهير ، في الكتاب 3 / 89 ؛ المقتضب 2 / 23 ؛ 67 . ( 3 ) هذا جزء من حديث نبوي تمامه : " المرء مقتول بما قتل به ، إن سيفا فسيف ، وإن خنجرا فخنجر " وقيل إنه أثر من آثار العرب . انظر شرح التسهيل لابن مالك 1 / 364 ، وشواهد التصحيح والتوضيح 71 ، شرح قطرالندى وبل الصدى لابن هشام 192 .